24 February 2012

كافيه الهوية المرتبكة





للوهلة الأولى حينما رأيت الصورة، فكرت لمَ لم يُكتَب اسم الكافيه بالعربية؟، وهو الأوقع والأكثر مناسبة للاسم ذاته حتى وخلفياته، والأكثر جاذبية في رأيي، لو تم كتابة اسم الكافيه بأحد الفونتات العربية البديعة، الجديدة والملفتة بصرياً، فكرت أن مولانا محيي الدين اللباد كان ليحزن كثيراً حين يرى لافتة كهذي، ولم يرد إلى ذهني إطلاقاً أنه قد يكون مشروعاً ذا أي صبغة دينية، فقط تذكرت شعار محلات "مؤمن" بتصميمه العربي الأنيق إلى جانب التصميم الإنجليزي للاسم.


إلى أن قرأت وصف الصورة كما أوردته شبكة | S.N.N سلفي على فيسبوك:

"مسلم كافيه"...أول كافيه اسلامي.
لا يقدم الدخان ويمنع الاختلاط غير الشرعي.

الكافيتريا لها فرع بمدينة بنها وفرع بمدينة الإسكندرية.

لم أفهم تحديداً معنى المصطلح: كافيه إسلامي؟، هل هو كافيه سيذهب إليه "الإخوة" مثلا، أو مجموعة من "الأخوات"، لشرب النسكافيه والكافيه لاتيه؟، هل هو مقصور على "المسلمين"؟ لمَ حدد الكافيه _ مشروع تجاري ربحي_ هويته الدينية؟ مغازلة لشريحة معينة من الزبائن مثلاً _ الملتزمين دينياً_؟ أفهمُ مسألة منع الدخان، لكن ماهو الاختلاط غير الشرعي؟ هل غير مسموح مثلا أن يذهب إليه "مسلم" و"مسلمة" لا تربطهما علاقة "شرعية" رسمية؟ ما هي العلاقة "الشرعية" الرسمية التي تعبر عن "اختلاط شرعي"؟ هل سيكون علي أن أحمل "قسيمة الزواج" في كل مرة أقرر فيها أن أذهب أنا وزوجتي إلى مقهانا المفضل "مسلم كافيه"؟ ماذا لو قرر أحدهم هناك أن يذهب مع أخته؟ ناهيك عن زميلة عمل أودراسة_انسَ موضوع الحبيبة_؟، وإذا كان أصحاب الكافيه ملتزمين بجدية بمسألة هوية "الكافيه"، لماذا تم كتابة الاسم بالإنجليزية؟ لماذا تم اعتماد ديكور غربي بالكامل للمكان؟، اللهم فيما عدا بوستر حزب النور وبوسترا الأخ الملتحي الذي لم أتمكن للأسف من قراءة اسمه.

"مسلم كافيه"، بالتأكيد حلم أخٍ مخلص، لكن فاته أن مشروعه يفتقد لمقومات مشروع كافيه ناجح، مشروعه على الأرجح سيتحول إلى "ركن الإخوة" المفضّل للقاء، مجموعة محددة من الإخوة والإخوات في الحيّ ربما تنتظم في زيارة المكان لفترة، معجبين بالجوّ الشرعيّ الحلال، الذي يفتقدونه في الكافيهات الأخرى، لكن المشروع لا ينافس بقية الكافيهات في "زبون الكافيهات الأساسي" الذي يمثل شريحة أخرى غير "الإخوة" أوسع وأكثر ارتياداً للكافيهات: شباب راغب في كافيه جيد الخدمة ومناسب الأسعار في الأساس، بغض النظر عن مسألة الهوية، مريح ومسل، يمكنه أن يلتقي فيه بأصدقائه وأحيانا صديقاته، عدد كبير منهم سيحب كذلك تدخين سيجارة في الكافيه، كذلك عابر السبيل لأي غرض الذي ربما لن يعجبه مسألة بوستر حزب النور أو قواعد الكافيه الإلزامية.

المثير للتأمل هو اعتماد الكافيه على ديكور غربي تماماً، ظناً ربما من صاحب المشروع أنه بذلك يوفّر شكلاً جذاباً أو أليفاً لنفس "زبون" الكافيهات التي تعتمد نفس التصميم الداخلي أوطريقة كتابة الاسم!، المفارقة أن عنصر تميّز الكافيه الوحيد من الناحية الدعائية أو الشكلية ذاتها، اختلافه عن أي كافيه آخر، هو تحديداً مسألة "هوية" الكافيه، التي هشّمها الديكور الغربي تماماً، ضربها في مقتل، حول الكافيه إلى "مسخ" مرتبك.

بالتوفيق على كل حال. :))


20 January 2012

الاحتفال





الآلاف في الشوارع المتّجهة إلى الميدان، للاحتفال الكبير بالعام الأول للثورة، نسير كالزحف، موسيقات عسكرية صاخبة تنبعث من مكبّرات الصوت المثبتة في الشوارع، الأعلام الضخمة معلّقة في كل مكان، في الشرفات، فوق الأسطح، على النوافذ، يتوسطّها رأس النسر المتجهّم، أتجنب النظر إليه في كل ناصية نمرّ أسفل تحديقته الغاضبة، تتابعني حدقته السوداء اللامعة في بطء.
تظهر المروحيّات، متّشحة بالعلم ذاته، سربٌ طويل يظهر فوق البنايات، يرتفع صياح الجماهير، يرفع الجميع أياديهم ملّوحين في ابتهاج، صراخ وهتاف وتلويح بالأعلام، يطوّف السرب في دوائر واسعة فوق الجماهير، يندفق من مروحياته سيل من البطاقات البيضاء الصغيرة، يتواصل التلويح والصراخ و التدافع لالتقاط البطاقات، التقط واحدة، بيضاء يتوسطها رأس النسر الغاضب، يتفرق السرب، تنتظر مروحيّة واحدة فوق المسيرة، تثبت ثم تبدأ في الانخفاض قليلاً فوق الرؤوس، نتمكن من رؤية وجه قائدها مبتسماً على نحو غائم، ببطء آليّ يبدأ باب المروحيّة في الفتح، فيشتدّ الصراخ على نحو هستيري، الآلاف يشيرون إلى المروحية ويتدافعون تجاهها، بصعوبة أتمكن من البقاء ثابتا مكاني، لم آتِ لهذا، من وراء الباب المتحرك جانباً، أطل بعيونه المتعددة متساوية القطر، زحفت فوهته إلى الخارج، مالت إلى أسفل، ثم بدأت في الدوران، دفقات متتابعة من الرصاص تنفجر من عيونها المعدنية المتتابعة دون توقف، هيمن الدويّ المتتابع العنيف للرصاص للحظة فوق الأصوات ثم ابتلعه الصراخ، امتدت الخيوط السوداء من الفوهات تثقب الجباه والرئات والعيون، انبطحتُ في هلع، الصراخ والهتاف مستمران دون توقف بينما تتناثر الدماء والأشلاء، الآلاف يتدافعون في ابتهاج وعنف إلى الأمام، تجاه المروحية، يتموضعون إلى زاوية الفوهة الدائرة في ضراعة، كهل أمامي يلوّح للمروحية بذراعيه صارخاً بابتهاج، تنهمر تجاهه الرصاصات ثاقبة ً صدره ووجهه، يصرخ صرخة شبقة، ملتاعة، متأوّهة ثم يسقط جواري..
اختبأ، تطوّف المروحيّة فوق الحشد، ممطرة الرصاص على الصارخين تحتها، ترتفع المروحيّة وتبتعد في بطء، بينما تتابعها الحشود متدافعة وراءها حيث تتجه، ملطخين بالدم، صارخين في انتشاء، من شارع إلى شارع..
التقط أنفاسي بصعوبة، أرفع الهاتف إلى أذني محاولا الاتصال بكل من أعرفه، الاتصالات مقطوعة، أتحرك إلى شوارع أخرى عكس اتجاه المروحية، يقابلني الراكضون في التياع إلى المروحيّات المنشورة فوق المدينة، وجوههم وملابسهم ملطخة بالدمّ، يصرخون ويلوحون بالأعلام، أتجنب الاصطدام بهم، محاذرا أن أتلطخ بالدم، أختبأ في زقاق جانبي، خرجتُ أتخطى الجثث والأشلاء، خطوتي تصلصل تحتها فوارغ الرصاص، تصلني من بعيد ضجة الجماهير ودويّ المدافع الدوّارة، الدماء تتحرك في خطوط متطاولة على الشوارع المائلة تجاه الميدان، ألتفتُ إلى حيث يسري نهر الدمّ الدافئ، فأري من بعيد، أضواء المروحيّات المتقاطعة تطوّف فوق الميدان المحتشد بالصراخ المبتهج، تنبثق الدماء و تثب متطاولة فوق الرؤوس هنا وهناك، موسيقى عسكرية صاخبة تعزف، أضواء وألعاب نارية.
لا ليس الآن، أتحرك بعيدا عن الميدان، بالقرب من التقاطع الكبير، أمام الوحدة العسكرية الصغيرة، أرى طابورا طويلا يصطف في مواجهة البوابة السوداء المصفّحة، ممكسين بالبطاقات البيضاء، يدور عليهم الجنود يتأكدون من البطاقات في يد الجميع، ويزيحون بعيداً خاويي الأيدي، ينتهي الجنود من الفرز، يشير قائدهم إلى الجندي على البرج، الذي يشير بدوره إلى الداخل، انزوي في مدخل أحد البنايات، الواقفون في الطابور يشرئبون بأعناقهم في لهفة ونفاد صبر إلى باب الثكنة العسكرية، ينفتح الباب المعدنيّ في صلصلة ثقيلة، ينزاح مصراعاه السوداوان عن دشمة صغيرة بالداخل، تنتصب من فوقها فوّهة واحدة طويلة، تتلوى جوارها أحزمة الرصاص الذهبية اللامعة، يترجل الجنود بعيدا، فتتتابع الرصاصات بدويّ صاخب إلى الطابور المتدافع، مخترقةً الصدور والجماجم، منتفضين واحداً تلو الآخر، صارخين صرخات ملتاعة، شبقة، متأوّهة، ينتهى الطابور، انتظر إلى أن يغلق الجنود البوابات، أسمع الصلصلة الثقيلة وأرتجف..



أخرجُ، الموسيقى العسكرية لا تزال تنبعث من مكبرات الصوت، توقفَ دويّ الرصاص، الشوارع خاوية بينما الجثث في كل مكان، أسمع خرير الدماء الجارية تجاه الميدان تلبط في الجثث والأشلاء..
أصل إلى الميدان المضاء بالكامل، أتأمل النصب المعدني العملاق للنسر الغاضب، منتصباً في منتصف الميدان، تخترق رأسه السماء وتحديقته الغاضبة موجّهة إلى الفراغ، بينما يفترش الميدان حوله من كل اتجاه: خليط من الجثث والأعلام واللافتات، أخطو بين الجثث، أصل إلى حافة النصب الدائرية، تتموج حولها الدماء في خرير متصل من كل الشوارع المؤدية إلى الميدان، تتجمع في بركة دائرية كبيرة، من بعيد، عند أطراف الميدان، أرى آخرين يتخطون الجثث في وجل، يقتربون، نجلس متفرقين حول حافة النصب، قليلاً ونتمدد على الأسفلت الغارق في الدمّ، وننام...



نستيقظ على الجلبة، ننهض في ريبة، نجدهم حولنا، واقفين يتأملوننا بعيون خاوية، يرتدون أزياء بيضاء ناصعة، ممكسين بالمكانس والجرادل، تحتشد خلفهم الكاميرات وفرق التصوير، ننزاح إلى الأطراف، فينهمكون في العمل، مبتسمين وجادّين، ينظفون الميدان تماماً، يلمعون النصب وحافته الواسعة بعناية، يغادرون، فنعود مرة أخرى، قليلين، إلى منتصف الميدان الخاوي.