10 June 2011

لقاء من النوع الثالث





هناك مشهد من فيلم "لقاء من النوع الثالث" لستيفن سبيلبرج, ظل عالقاً بذهني على نحو غير مفهوم, أتذكره من حين لآخر دون داعٍ حقيقي أو رابط, ذلك منذ أن شاهدت الفيلم ثم قرأته مكتوباً في سلسلة روايات عالمية للجيب ربما منذ أكثر من 15 عاما, في الحقيقة يمكنني أن أسرد بقليل من التركيز مجموعة من المشاهد والمشاهدات التي تنتمي إلى نفس النمط, والذي اعتقدت في فترة من حياتي أنه خلل دماغيّ, يدفعني إلى تذكر واستعادة مشاهد مماثلة أو إيماءات بعينها أو حتى حدث يومي تافه منذ سنوات طويلة, بشكل متكرر و ثابت, دون أن أفكر أو أرى أو أسمع أي شيء يذكرني به من قريب أو بعيد.

إلى أن أيقنت أن هناك رابطا ما خفيا, لا أدركه على نحو واعٍ, بين أغلب هذه الأشياء و بين تفاصيل أساسية في حياتي, ويدركه عقلي على نحو آلي, ويتصرف على أساسه ببث هذه المشاهد والتفاصيل مباشرة إلى الذهن.
المشهد كان حين تقوم بطلة الفيلم, إحدى الذين تعرضوا للقاء من النوع الثالث, بحسب تصنيف هاينكس, لكائنات من الفضاء الخارجي, أو لأجسام طائرة مجهولة, بكشف عنقها كاملاً أمام بطل الفيلم, الذي تعرّض هو الآخر بدوره لنفس التجربة, لتريه علامة ما لا أذكرها من أثر اللقاء, فيرتبك أمامها, فتعتذر له مبررةً ما فعلتْ أنها منذ ما حدث تعتبر كل الذي مرّوا بهذه التجربة إخوة بشكل ما, تربطهم رابطة غامضة عميقة.

منذ أيام تذكرت هذا المشهد, لكن هذه المرة أدركت لمَ تذكرته, كنت في عرض "مونولوج التحرير" بمسرح روابط, جالساً على مدرج المسرح البسيط, أشاهد حكايات مستعادة من أيام التحرير, قصص حقيقية أرسلها أصحابها إلى منفذي العرض, ليقوموا بأدائها أو يقوم أبطالها الحقيقيون أحياناً بذلك, وكان ذلك جميلاً, وموجعاً وبديعاً.

ذكريات الثورة لا تعود وحدها, و استعادتها ليس بالأمر السهل,لأنها أبدا لا تعود مجرّدة من كل ما صاحبها من مشاعر وانفعالات هائلة غير قابلة للاحتواء, غير قابلة للاعتياد, دفقات ضخمة ضاغطة في الأعصاب, وتداعٍ مستمر لابد أن توقفه وإلا ستنسحب إلى الأبد في الدوران الثابت حول مركزها الكثيف الوامض, وأعني تحديداً من كل ما حدث و كل ما نتذكره, ما يمكنني تسميته بـ"أيام التحرير".

نعم, هناك تجربة ما, لقاء ما من النوع ذي الرقم المبهم, مرّ به كلّ من كان في التحرير, لا مارّاً أو زائراً أو عابراً للاطمئنان, بل للذين حدث وأن تشبثوا بالميدان بالأسنان والأظافر, بالخيام و المتاريس و الحديد, ليحول بينهم وبين الجميع: الملايين الغاضبة الملتاعة في البيوت و المتعقّلين و الهمج والقتلة والوفود الليلية المميتة, لم يكن لقاءا خاطفاً أو مشوّشاً, بل متصاعداً إلى ذروة, في ليلة التعرّض الكامل لللقاء على نحو مكشوف كامل, ليلة الخميس 3 فبراير, حين أدرك كل من هو خارج الميدان أن كل من هو داخل الميدان, يمرّ الآن عبر جسده, عبر وجوده البشري هناك, بالتحقق الكامل للفعل الثوري مكثّفاً, الثورة حين تتنزّل من فكرة مثالية متسامية لتنحصر و تُحاصر في عدد محدود من الأجساد البشرية في مواجهة زوالها الكامل.
في حيز الساعات القليلة المحيطة بهذه الليلة, مرّ باللقاء الكامل عدد لا أعرفه على وجه الدقة, هؤلاء من بين جميع من مرّوا بالتجربة, سيتألمون كثيراً في الأيام القادمة, لأنهم سيسمعون من يتحدث عمّا حدث ببساطة, وعن الميدان باستخفاف أو حتى بعاديّة, الثورة لا محالة ستخبو تدريجياً, على نحو قدريّ مفهوم للجميع, لتحل محلها الحياة العادية, هذا العملاق البليد الهائل الداهس لكل الأحداث والأشخاص و التواريخ في طريقه اليومي المعتاد إلى البيت, لذلك سيتألمون وحدهم طويلاً بينما يحدث ذلك, سيشعرون بالفـَرَق والضيق وآلام متباينة, كلما خبا حضور الثورة حولهم, سيبقون دائماً محتجزين هناك, داخل الميدان, معلّقين حيث كانوا, وحيث اكتملت أرواحهم على نحو تامٍ و نهائي, في المكان الذي قاموا فيه بالفعل الأكثر كمالاً في حيواتهم القصيرة, وفي حيوات ملايين الملايين من البشر التي لم يتوفر لها تجربة مماثلة, لا تتكرر كل عدّة قرون, حيث كانوا محظوظين بالحضور في حدث فوق طبيعي, في حيّز محدود, كثّف بمحدوديته حضور الحدث ولامحدوديته فيهم, فخلفته أجسادهم بعدها تاركةً تجاويفها في الفراغ, يحنون إليها ولا يقرّون إلا بتذكر وميض أجسادهم هناك, مكتملةً و كاملة, ثم بالعودة إليها من حين لآخر, بحجج مختلفة و متعددة, يحرصون أن تظل أنيقة ومنطقية للسواد الأعظم الذي كانوا خارج حدود الميدان, يتشبثون بالمنطقي و المفهوم, لتجنّب هذا الضغط الثقيل للعودة, مدركين أنهم, رغم كل الأسباب والحجج والدوافع, راغبين فقط في الذهاب مرة أخرى إلى هناك, إلى استعادة الميدان, حيث كانوا وكيفما كان, في هذا اللقاء الكثيف.

لكن ذلك للأسف سيبدو غير مفهوم للآخرين, سيبدو شاذاً وغريباً, حين حلّ محلّ فعلهم الثوريّ, المعاني الكبيرة و الكلمات المؤسسة بعناية للوصف والحصر وتسكين الأحداث في الأدراج محدودة الحيّز المعدّة لذلك, سيقرأ ما كتبتُ كثيرون, سيعتبرونه شاذا وسخيفا, وسيقرئه قليلون, وسيعرفون ماذا أعني.
لأنه لا علاقة له بالامتياز الثوري لا بالفرز الثوري ولا بتبجيل خاص للذين كانوا هناك.
أنا أعوّل على إخوتي في اللقاء, أنا ألوّح إليهم