24 May 2011

ملاحظات "غير ثورية" عن الثورة


أثناء دراستي في كلية الطبّ, في العام الأول أو الثاني لا أذكر تحديداً, قال دكتور "رشيد"_ وهو عالم كيمياء حقيقي_ في أحد محاضرات الكيمياء الحيوية, عبارة بسيطة تماماً, لكنها كانت ملهمة بالنسبة لي, " لا يمكننا أن نفهم ماذا سيحدث, أوماذا يحدث الآن, إن لم نفهم بشكل كامل, بشكل تفصيليّ, ماذا حدث أصلاً في الماضي", كان يتكلم عن أن العلم قائم بالأساس على إجابة سؤال أوّلي: ماذا حدث؟, كيف تمّت هذه التفاعلات, تلك هي الطريقة الصحيحة للإجابة عن سؤال آخر أكثر شيوعاً, أكثر إلحاحاً و ضغطاً لكنه أقل أهمية في هذه الحالة, وغالباً ما نطرحه قبل السؤال الأول, وهو : ماذا يحدث الآن؟, والذي يعتبره سؤالاً غير علميّ, لأن التجربة لا تعني "مراقبة" التفاعل, بل "مراقبة الفرضية" عمّا حدث من قبل, في نفس الظروف وفي وجود نفس العوامل.
تذكرت هذه المقولة, وأنا أقرأ طوفان المقالات والأخبار اليومي عن تطورات الوضع في مصر بعد الثورة, أنا لست عالم كيمياء ولا أنثروبولوجي ولا اجتماع ولا سياسة ولا اقتصاد, أنا فقط سأخبرك بمجموعة ملاحظات غير مرتبة, شديدة الأهمية في رأيي تحت بند محاولة البحث عن "ماذا حدث"..
أنا لن أقلل من حجم التظاهرات ولا أعداد المعتصمين في ميدان التحرير, ولكني كنت هناك, وكنت أخرج على فترات للعودة إلى البيت, مما كان يسمح لي رؤية المشهد كاملاً.
إلى الآن لازلت أجد الحديث عن الثورة كحدث رومانتيكي كامل, الثورة الشعبية, الثورة التي شارك فيها "الشعب" بأكمله ودعّمها و حماها, عبارة عن مبالغة ضخمة, بمعنى أدق مغالطة تاريخية صريحة, ستشوّش أذهاننا كثيراً في محاولة فهم هذا "الشعب" وطريقة تعامله مع الأمور في المستقبل, هل نسينا فعلاً ردود الأفعال بل و الأفعال الشعبية العفوية تجاه الاعتصام؟
لازلت أعتقد جازماً أنه لو كان دُعي إلى استفتاء عام في جميع أنحاء مصر يوم 8 فبراير مثلاً, حول استمرار الاعتصام في ميدان التحرير من عدمه, لصوتت الأغلبية من المصريين لصالح "إخلاء الميدان".
هذه ملاحظتي الشخصية فيما أقول لك,وملاحظتي مبنية على احتكاك مباشر ومستمر على مدار الثمانية عشر يوماً, مع الأهل والأصدقاء و الأقارب و الغرباء و الزملاء و المعارف, على الفيسبوك وفي الشوارع و حول الميدان, يمكنني أن أقول بارتياح أن واحد فقط من كل خمسة أقابلهم كان مع استمرار الاعتصام, أضيف إليه واحداً آخر, مرتبك بشأن الأمر ولايزال يزن موقفه من استمرار الاعتصام رغم ميله إلى الرغبة في انتهاء "الأزمة" في أسرع وقت و"الرضا" بالتعديلات التي أقرّها الحيوان مبارك, ثم ثلاثة مطمئنين تماماً إلى أن استمرار الاعتصام خطأ كبير يجرّ البلاد إلى مالا يحمد عقباه..
هل أحدثك الآن عن شيء غريب أو شاذ أو تسمعه ربما للمرة الأولى؟, هل تناسينا هذه الحقيقة البسيطة بينما نتحدث الآن عن "الشعب" ورغباته وأولوياته؟, أنا مقدر تماماً إيفوريا النصر الشعبي, و الرغبة الكبيرة في مدّ النجاح الثوري إلى كل مواطن مصريّ, بصفته فاعلاً و مشاركاً, أنا مع ذلك تماماً على المستوى الرمزي, لكن حين نبدأ في تقييم الحقائق لنرى فعلاً " ماذا حدث", سنجد أن ما حدث لم يكن " الثورة الشعبية الكاملة" التي يتحدثون عنها, هذه الثورة تمّت لأنه كانت هناك "كتلة" ما من المتظاهرين وصلت للعدد الحرج الذي منحها قوة إجبار الجميع على مواصلة "الثورة".

أنا بالمناسبة لست من داعمي نظريات "الأوليجارشيا" و دور "النخبة" أو "الطليعة" مؤمنةً كانت أو لينينية,خاصة أن الكتلة الحرجة من المتظاهرين التي أصفها لا تنتمي لفصيل سياسي واضح, أو نخبة ما, أو حتى لطبقة اجتماعية واحدة, وهو ما يزيد الأمر تعقيداً في محاولة تحليله, لكنها في النهاية حقيقة يجب أن نعيها, أن نفهم منها شيئا ما على الأقل, وأترك ذلك لعلماء الاجتماع أو السياسة, فقط ينبغي عليّ هنا أن أوضّح أنني لا أعني أن الشعب بالضرورة كيان جاهل أو ساذج أو قاصر ينبغي على فئة ما أو نخبة ما أن تحدد له وجهته ولو إجباراً, على غرار ما حدث في الثورة في رأيي, أنا طالما كنت أحد المؤمنين بقوة الناس, وبضرورة احترام قرار الأغلبية, حتى لو انتهى بصعود أي فصيل سياسي أرفضه مثلا إلى الحكم عن طريق الديمقراطية و صناديق الاقتراع.
أنا فقط أضع الملاحظة في مكانها,"الثورة" المصرية فعلياً زحزحت كل هذه القناعات ولو قليلاً تحت وطأة الحقيقة التي عشتها كاملةً خلال فترة الاعتصام, حقيقة أن الرغبات الشعبية للأغلبية في مصر كانت ضد الفعل الاحتجاجي الأكثر تأثيراً و نجاحاً في مسيرة اكتمال الثورة: "مواصلة التظاهرات و مواصلة الاعتصام في ميدان التحرير".
بل في كل مرة أحاول إعادة التفكير في كيفية حدوثه و استمراره و نجاحه, أرى أنها بالفعل تمت بالطريقة التي وصفتها أعلاه: كتلة حرجة من المتظاهرين, أجبرت الجميع على إتمام الثورة, لأني أعلم يقيناً عبر تجربتي الشخصية على الأقل, أن الأغلبية من سواد الشعب المصري لم يكن بحال داعماً لاستمرار التظاهر أو الاعتصام في الميدان.
يعزز ذلك لديّ ملاحظة مهمة, ربما لا يعلم عنها البعض أي شيء, أن اللجان الشعبية في مناطق مثل السيدة زينب وباب اللوق وبولاق أبوالعلا, وكذلك إمبابة, كانت مصدر تهديد دائم للمعتصمين, في الأيام الأخيرة قبل التنحي كان علي أن أنكر في كل مرة أني قادم لتوي من التحرير, لأعبر من اللجان الشعبية المتتالية في شارع الكورنيش والكيت كات ثم شارع ترعة السواحل, بعد أن قطعت المسافة كاملاً من التحرير إلى الكيت كات سيراً على الأقدام, ذلك فقط لأصل إلى البيت آمناً.
كان ينقذني كارنيه نقابة الأطباء, محاولاً إقناعهم أنني كنت في المستشفى وعائدا إلى البيت, بعضهم كان يؤكد أنه لا يصدقني, و أنه يعرف أنني عائد من التحرير لكنه سيدعني أمرّ, مع الضغط على الحروف وهم يفتحون لي الطريق: اتفضل يا دكتور, ثم أسمع سيل الشتائم المقذعة المتواصل عن المعتصمين وشباب الميدان..إلخ
أخي الأكبر صباح يوم 2 فبراير سلمته اللجان الشعبية في باب اللوق أو عابدين, لا أذكر تحديداً, هو وزميل له في جريدة المصري اليوم إلى الجيش, أثناء توجههم من الميدان إلى مقر الجريدة, بدعوى أنه قد فاض الكيل بكل من في التحرير, ضابط الجيش بدوره كان ينوي تسليمهما بعصبية ونفاد صبر إلى أمن الدولة في لاظوغلي, لولا أن لوّح لهم عمرو بكونهما صحفيين في المصري اليوم.
أنا واثنان من أطباء المستشفى الميداني, استوقفتنا لجنة شعبية في السيدة زينب, ارتاب فينا أحدهم مشيراً إلى أننا نبدو من بتوع التحرير, وفتشونا بشكل كامل ليجدوا الخيوط الجراحية التي خرجنا من الميدان لشراءها من أحد محال المعدات الطبية في السيدة زينب, وتم الاشتباك, شتائم وتدافع, واضطررنا إلى ان نبدي وجهاً شرساً, بدلا من الشعور بالذعر أو بالورطة الذي يفاقم من شراسة أشاوس اللجنة الشعبية تجاهنا, وبالفعل, تدخل البعض الذين أوضحوا لهم أننا أطباء وأننا محايدون ونقوم بدورنا في علاج الناس هناك, وأنه واجب إنساني..إلخ, وتركونا نمرّ لنتعلم من التجربة و نتفرق و نحاول قدر الإمكان تجنب أي لجنة شعبية أخرى إلى أن وصلنا للميدان.
بعد الثورة بأيام كان يمكن ملاحظة لافتات منتشرة تحيي شباب بولاق: شباب بولاق من شباب الثورة ونرفض الإساءة إليهم, البعض لم يكن يفهم الداعي للافتات كهذي, لكن كثيرين يعرفون ماذا كان يحدث للراغب في نزول منزل كوبري 15 مايو تجاه بولاق أبو العلا, بدلا من النزول تجاه التحرير لتجنب بلطجية مناصري مبارك أمام ماسبيرو, وهو يحمل أدوية أو بطاطين أو طعام إلى الميدان, أحد أصدقائي تعرّض للإهانة و خطف كل حمولة الأدوية التي كانت في سيارته و تهديده من قبل شباب اللجنة الشعبية التي كان يشاركهم فيها أفراد أمن عند منزل بولاق أبو العلا, و الذين اصطحبوه إلى ضابط مباحث نصب لنفسه موقعاً بالقرب من وزارة الخارجية وعرضوا صديقي عليه قبل أن يصرفوه مع وابل من التهديدات.
لا أنسى كذلك المتطوع الذي هاتفني ليعرف أي مداخل الميدان أكثر أماناً ليصل بحمولة الأدوية إلى الميدان صباح 3 فبراير, وبعد السؤال والتحقق من شباب أمن الميدان أخبرته أن جهة باب اللوق الآن آمنة, لكنه هاتفني بعدها بساعة, يخبرني أن سيارته تحطمت بالكامل, مع إلقاء كامل شحنة الدواء أمامه على الأسفلت, إلى أن أنقذه ضابط قوات مسلحة وأمره فوراً بالعودة إلى المنزل, كان يبكي في الهاتف وهو يخبرني أنهم لم يكونوا بلطجية ولا وجوه مسجلي خطر, بل أهالي المنطقة, ينادون بعضهم بالحاج فلان و الحاج فلان, وبعدها بفترة طويلة ظللت أقنعه أن يعود إلى بيته ولا يكرر التجربة مرة أخرى إلا أنني عرفت فيما بعد أنه واصل المحاولة بعد شراء أدوية بما تبقى في جيبه من نقود ونجح بالفعل في الوصول إلى الميدان.
العديد والعديد من القصص عن اللجان الشعبية التي منعت والتي ضربت والتي حطمت و كسرت و ألقت بالطعام و الأدوية في النيل وعلى الأسفلت و في القمامة, ستسمعها من المعتصمين في الميدان أو الداعمين للاعتصام, في أوقات كان المرور فيها بالطعام و الدواء للميدان شبيه بعملية انتحارية, ضد الرغبات الشعبية و الغضب الشعبي, بالطبع كان هناك تحريض أمني واضح في بعض المناطق, لكن التحريض وحده لا يبرر كل ما حدث, لأنه ببساطة كان رد فعل عفويّ تماماً, متسق مع ما كنت أسمعه في الشارع ومن الأهل و الأصدقاء بشأن مواصلة الاعتصام, عدد ضخم كان يرى استمرار الاعتصام فعلاً عبثياً, وقلة أدب وعدم احترام لرغبات الأغلبية, سيحدثك كثيرون عن المكالمات النارية التي كانت تصلنا بين الحين و الآخر من الأهل و الأصدقاء ليحدثوننا عن غباءنا و عن جهلنا السياسي و عما نجرّ البلاد إليه, مع رغبة حارة عميقة وصادقة في أن نغادر الميدان.
كل ما سبق يطرح أسئلة كثيرة حول: "الرغبة الشعبية" و "رغبات الشعب" و "الأولويات الشعبية"...إلخ, وهو ما لا أملك إجابات وافية عنه حالياً..
لكن تذكّر الحقائق السابقة ومحاولة فهم حقيقة "ماذا حدث" و"كيف حدث" ربما يقودنا إلى رؤية حقيقية أو واقعية لما يحدث الآن ولما يجب أن نرتّب أولوياتنا وفقاً له فيما يتعلق "بالشعب" و "الرغبات الشعبية" التي يتحدث عنها البعض كونها مقدّسات ومسلمات رياضية..


23 May 2011

مصر اللواءات

أنا أحد الذين لا يجدون كون: "المجلس العسكري هو المؤسسة القوية الأخيرة في مصر", مبرراً كافياً للثقة المطلقة فيها, وتجنّب نقدها للمرور الآمن في الفترة الحرجة, بل ببساطة انطلاقاً من السبب ذاته, كونها الذراع القوي و المطلق الآن في مصر, هو مبرر أقوى للحذر و المراقبة و النقد, من أن تتحول إلى "طاغية" جديد تدريجياً, وهو ما على يبدو يبدأ عادةً بتمجيده و الثناء بحمده في الشوارع وفي ضمائر المواطنين المفزوعين من الفراغ.

الفارق الضخم بين: القوات المسلحة, والمجلس الأعلى للقوات المسلحة, هو هوّة كاملة, لا أعرف كيف يندفع البعض أحياناً إلى التشنّج في الدفاع عن "جيش مصر العظيم" في معرض الرد على نقدك للأداء السياسي "لمجموعة من اللواءات", التي دون أن نناقش ولاءاتهم ولا خلفياتهم السياسية ولا حتى سلبيات أدائهم الواضحة, كانوا بالأمس القريب يقسمون باللواء للطاغية الذي نزلنا إلى الشوارع لتحطيم صنمه الكبير, كانوا يؤدون له التحية العسكرية بإخلاص و أمانة و شرف تفرضها عليهم واجبات العسكرية و انضباطها, وهو ما لا أراه مبرراً لمحاكمتهم ولا تخوينهم بعد الثورة, ولا أراه حتى نقيصة في سجلاتهم العسكرية أو الوطنية, أنا كنت أثناء خدمتي العسكرية أؤدي التحية العسكرية لمبارك, وأقسم بالولاء له كل صباح كقائد أعلى للقوات المسلحة, لكن في موقف مماثل, لقائمين على إدارة "ما بعد الثورة" يجب أن نتفهّم جميعاً جيداً, بما في ذلك أعضاء المجلس العسكري ذاته, القلق والحذر الذي ينتاب البعض _ لنقل البعض_ إزاء حقيقة كهذي: هل كانت التحية العسكرية و قسم الولاء, تقيّة حياتية وانضباط جبريّ لازم, أم ولاء حقيقي للنظام السابق؟

لكي أكون أكثر وضوحاً, أنا لم أعن بالولاء, الرغبة الكاملة في عودة "مبارك" إلى الحكم, بل أعني للاسف الأسوأ, هو عودة " نظام مبارك", عودة "مصر مبارك", إعادة تشكيل " مصر ما بعد الثورة" بنفس الشكل الذي اعتاد السادة اللواءات التعايش معه وقيادته و التموضع على قمة نظامه العسكري الصارم, " مصر العسكرية الأمنية", " مصر اللواءات" المحكومة بالحديد و النار, والأمر و النهي, والتحذير من الأعداء الخفيين و الجهات الخارجية.

هناك مشكلة كبيرة يمكن ملاحظتها ببساطة حتى في بيانات المجلس العسكري وصياغاته الأدبية التي تنمّ عن أي عقلية تصدر, وهي عقلية شبيهة كثيراً بعقلية "مصر مبارك". الكثيرون لديهم شكوك في إرادة المجلس العسكري إعادة ترسيخ الدولة الأمنية, لأنها الدولة التي عرفوها و تعاملوا معها و نجحوا فيها و تقلدوا فيها أعلى الرتب وصولاً إلى قيادة المؤسسة العسكرية, مضافاً إلى ذلك كافة الامتيازات التي نالوها والتي تؤمنها "الدولة الأمنية" لكل فرد يعمل في مجال "الأمن الوطني" لأنه ضلع رئيس في وجودها واستمرارها.

على سبيل المثال القريب, الأكثر تداولاً وإيلاماً: تعامل المجلس العسكري مع المتظاهرين أو المعتصمين بعد الثورة , الوضع الحرج أو الاستثنائي, لا يبرر الاعتقالات الجماعية ولا التعذيب, بل يرسّخ للممارسات مماثلة في المستقبل, حين يرى الجهاز الأمني في مصر الذي تم سحقه على أيدي المتظاهرين, أخاه الأكبر, القوات المسلحة, تتعامل بنفس الطريقة, بعد الثورة مباشرة مع أبناء هذا الوطن, فعلينا ألا نتوقع كثيرا من أشاوس الداخلية من العودة مرة أخرى إلى نهجهم السابق بنفس الدعاوى: بلطجة, اندساس..إلخ.

أنا لا أتحدث عن تخوين, أنا أتحدث بحسن نية كامل تجاه السادة اللواءات, أن رؤيتهم للوضع الحالي هي مجرد "تعامل" مع الموقف, لا "تبنّي" الموقف. الموقف بالنسبة لهم هو حالة انفلات أمني وفوضى يجب قمعها و تسكينها بكل حزم, تعامل عسكريّ واضح, مع جمهورية جديدة تحتاج إلى سياسيين يتفهمون معنى أن تقوم ثورة في البلاد, والأولويات التي يجب أن تتخذ و المراعاة الكافية لأول مبادئ هذه الثورة: احترام المواطن.

04 May 2011

قطعة من الأدب الإيرو_ جهادي





لم استطع في الحقيقة أن أحوّل ذهني عن التفكير في الأمر من هذه الزاوية, بطول قراءة المقالة, لم يبدُ الأمر أنه مجرد افتننان بـ"إخلاص" المجاهد أو "منهجه" أو "خياره" الصعب في الحياة, بل على نحو أكثر عمقاً, رأيت نوعا من الولع الجنسيّ بفحولة الـ"مجاهد", بكل ما تستدعيه خشونة مواقفه و أسلوب حياته على نحو خفي, من ذكورة و صلابة وقسوة رجولية محببة إلى الشرقيّات.
الأسلوب الأدبيّ الحالم, السنتمنتاليّ المتحفظ, عزز ذلك كثيراً, وإن لم تستطع الكاتبة أن تفلت من ضغط اللغة العنيف على ذهنها و تفلّتها بما يتحدث على نحو أكثر بلاغة عن أحد أغراض المقالة الأصلية: امتداح رجولة المجاهد أسامة, بكل ما تعنيه الكلمة في الغالب.
وبصدق, حاولت أن أبعد عن ذهني هذا الخاطر الذي راودني منذ قراءة العنوان الحارّ, الذي يبدأ بآهة طويلة : آآآآه... لو كنت زوجته!, أنا لا أفهم تحديدا علامَ تتحسر خلود؟. أن تكون أي امرأة زوجة رجل من طراز أسامة بن لادن فهذا يثير الشفقة فضلا عن الحزن العنيف على مقتل الرجل, لا الشوق المبرّح.
ثم تتوالى الإشارات بكثافة: عندما تحينُ ليلتي, رأيتُ قامته المنتصبة إلى المنتهى, رجل لا يَضلُّ ولا يشقى, لا ينام, لا يمل ولا يكلّ, من أي نقطة ضعفٍ تأتيه وهو لا يُغوى؟, رجل ثابت الولاء, فارس لا يترجّل إلا للأعلى, كل كيدها وإغرائها تحلم برجل لا يتأثر بطبيعتها أبدا, يأخذها تحت لواء أضلاعه حيث نشأتها الأولى, أين لنا همّة الوقوف من دونك؟ لقد أتعبتَ من بعدك يا أسامة, فإلى الملتقى زوج أحلامي المنتظر..
المقالة قطعة رفيعة من الأدب الإيروجهادي, الذي يلمّح دون أن يصرّح, ملتزماً بكافة القواعد الشرعية لمديح الذكورة, مبطناً مشاعر وأشواق كثيفة وراء الهتاف بالرجولة و النصرة و النخوة و الفورة, على الأقل يكشف لنا طريقة تعبير المعجبات بـ"منهج" بن لادن و بـ"مواقفه" عن عواطفهنّ تجاه من يعجبهن من الرجال, عن رغبة ما في الالتحاق بركب المجاهد, الدخول في كنفه, الاستمتاع بهيبته و مكانته, وذلك أقصى ما يمكن أن تؤديه جهادياًُ, في إطار ما لا يسمح لها أن تكون فاعلاً جواره على الإطلاق, بل مفعولا به في الكهف, في إطار أوسع يمجدّ "رمزية" ما يفعله الرجل و ما يقوم به من بطولات, ليحوله من مجاهد إلى آسر قلوب المؤمنات

ضحايا الرمزية








فكرتُ في "باروخ جولدشتاين", الطبيب اليهودي الذي نفّذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في " الخليل", قرب نهاية فبراير عام 1994, مفرغا سلاحه الآلي في المصلين في المسجد الإبراهيمي أثناء أدائهم صلاة فجر يوم الجمعة في منتصف شهر رمضان، قتل "باروخ جولدشتاين" 29 مصلياً وجرح 150 آخرين قبل أن ينقضّ عليه المصلون و يقتلوه.

نقلاً عن ويكيبيديا, فأنه فى تحقيق صحفي في إحدى مدارس الكيان الصهيوني – مدرسة الدنمرك – نشر في إحدى الصحف، تقول نيزعزرا -17 سنة – " لقد كانت مهمة مقدسة كان ينبغي أن يأخذ معه قنابل يدوية ", بينما تقول سيلفان ساسون زميلتها " إنه عمل بطولي.. إنه قديس " و تقول ايليزار كوهين " يجب أن يفعلها مستوطنون آخرون".
نقلا كذلك عن ويكيبديا أنه قد صرح قبل المذبحة بأيام في حوار له مع إحدى الصحف بقوله : "هناك وقت للكشف والعلاج في العيادة وهناك وقت للقتل " ثم أضاف : " إننا نغشّ أنفسنا عندما نفكر بإمكانية التعايش مع العرب".
فكرتُ في "باروخ", بينما أتابع مراثي اغتيال فقيد الأمة و شيخ المجاهدين, شهيد الإسلام و سنام عصره " الشيخ أسامة بن لادن".
كلاهما في الحقيقة, قتل عدداً كبيراً من الآدميين, بدافع نبيل تماما, نعم, كلاهما أخطأ في السبيل إلى الإله, لكن هل يمكن أن يجادل أي أحد, أو ينفي, أنهما أخلصا إخلاصاً كاملاً في التضحية و التقرّب, كلٌ إلى إلهه؟

"باروخ" أفرغ سلاحه الآلي في أعداء الرب, مباشرةً, أثناء أدائهم لطقوسهم الوثنية بحسب ما يعتقد, أفرغه في "الأغيار" الذين تعتبر دمائهم قربى رخيصة, مضحياً بروحه هي الأخرى كقربان كامل للربّ, حين كان حتمياً أن يتضمن تنفيذه لعمليته هو موته الشخصيّ, كذلك " بن لادن" الذي خلّف وراءه الحياة الكاملة, الثراء و الترف و البيزنس, من أجل الجهاد في سبيل ربّ آخر تماماً, معرّضاً حياته للخطر ثم الاغتيال, كلاهما كذلك يتمثّل إنجازه الأهم تاريخياً في عمل "قربانيّ" عظيم, راح ضحيته عدد من الآدميين, لكن التفصيلة الأخيرة هي إشكالية بسيطة إذا نظرنا إلى نبل الهدف, إلى رمزيته و ميزانه في ميزان "الإخلاص الديني", انحراف شكليّ بسيط في المنهج أدّى إلى عدد من الضحايا, 29 في حالة باروخ و عدّة آلاف بالنسبة لبن لادن.

كان من الممكن أن أفكّر في الأمر من منطلق, شيخهم و شيخنا, أن أنحاز إلى "بن لادن" بما إنه يتحدث من تحت المظلة الواسعة ذاتها, "الإسلام", حتى و إن كنت أختلف معه في "المنهج" و "التطبيق" _ أنا قلق بعض الشيء إن كنّا بعد اختلافنا في النقطتين الأخيرتين نعبد الإله ذاته, ولكن لا بأس_ الرجل كان مخلصاً لإلهي, أو المفترض أنه إلهي, بما أن الرجل كان مسلماً, لكن ماذا عن "باروخ"؟



أخمّن أن "باروخ" لم يفعلها وهو يفكّر أنه الآن حتماً يفعل أمراً شريراً وأنه كان يجدر به أن يلتحق بالدين الحقّ لكنه متحدٍ للإله الصحيح, الرجل ضحّى بحياته من أجل عقيدته!, "باروخ" لو كان مسلماً, مباشرة و دون تعقيدات, لو غيرنا اسم "باروخ" إلى "صفوان" مثلاً, دون أن نغيّر شيئا يذكر في تركيبته النفسية أو نظرته للعالم أو لطريقة إرضاء الربّ, كان ليكون أفضل بمراحل_ في نظر بن لادن على الأقل_ من كثير من المخنثين من معجبي بن لادن و متبنّي أفكاره, الذين يجلسون الآن أمام الشاشات بينما تختطف الكنائس المتحوّلات إلى الإسلام وتخفيهنّ في أقبية الأديرة, بدلاً من أن يحمل أحداً منهم سلاحه الآلي, يقتحم قدّاساً و يقدّم للربّ عدداً من الآدمين.

لكن مهلاً, شيئا كهذاً سيكون بشعاً جداً ربما, رغم رمزيته الفائقة, على نحو يذكّر بتفجير الكنيسة القديسيْن في الإسكندرية أوتفجير كنيسة سيدة النجاة ببغداد _ الأخير نفذّه فعلاً تنظيم يتبنى أفكار بن لادن الملهمة_ ماذا سيكون ذنب هؤلاء الذين ستسفك دمائهم في القدّاس؟, بعضهم على الأقل لا علاقة له إطلاقا, أو ربما معارض تماماً, لاختطاف المسلمات في الأديرة بأي حال.
الأمر بدأ يتعقّد قليلاً, إذن ماذا كان ذنب الآلاف في البرجين التوأم في 11 سبتمبر؟

آه, آسف, الأمر في 11 سبتمبر كان يتعلق بالـ"رمزية" بشكل كامل, دون شكّ لم تكن هناك أي ضغائن بين "بن لادن" ولا أيّ من منفذي العملية و أي آدمي من ضحايا الحادث الهائل, الأمر كله كان يتعلّق بالـ"رمزية", تركيع الولايات المتحدة الأمريكية, تلقين النظام العالمي الرأسمالي المتوحّش درساً لا ينساه, ضربةٌ في مقتل عبر بتر رأسيه المنتصبين في مانهاتن.

أنا أقدّر هذا الهدف النبيل, بما أني لديّ بعض الخلفيّات اليسارية, لكن ماذا لو كنت أنا ساعتها لسوء الحظّ في مركز التجارة العالمي أو حوله؟, كيف أضمن في المستقبل ألا أكون في محيط "رمزية" أي حدث أو أي أحد يريد أن يتقرّب إلى إلهه؟, وأؤكد على أنني لا أريد أن أتعارض مع رغبات أي مجاهد في سبيل الربّ _ أي ربّ_ في إنجاز "رمزياته", لكنني للأسف سأكون غاضباً جداً حين أفقد حياتي أو يفقد أحد المقربين لي حياته في المعركة "الرمزية" بين "بن لادن" و الولايات المتحدة الأمريكية.

مممم, ما أقوله لا يبدو "رمزياً" على الإطلاق, إذ ماذا سيكون العمل لو قرر أحد المؤمنين بنفس الربّ الذي أؤمن به, أن ينفذّ عملاً "رمزياً" كبيراً مثل ما حدث في 11 سبتمبر, من أجل قضية أؤمن بها تماماً, بينما أقف في محيط موجات دمار " الرمزية", هل تحفظي "الإنساني" أعلاه يعتبر على النقيض إغضاباً للرب؟, هذا شيء مربك في الحقيقة, حياتي الآن لا تتعلق بقراري وحدي, ثمة قرار جماعي يتخذه عننا المتقرّب إلى الإله, بشكل عام, بشأن متى يجب أن تكون حياتي رخيصة تماماً في سبيل "الرمزية" على كل حال, وإلا كيف سيمكن أن نواجه أعداء الربّ أو نوجعهم "رمزياً"..

إذن هناك شيء ما يتعلق بالـ"رمزية" يتوجب عليّ احترامه في المرات المقبلة, حين أتعامل مع قتلة آدميين في سبيل الربّ, يجب أن أحترمه, يجب أن أجلّ الإخلاص في تحقيقه, أنا لستُ إلهاً في النهاية لأحكم على كيف يتصرف أي شخص في سبيل إرضاء إلهه, الأمر كله في النهاية يصبّ في اتجاه: تبجيل الربّ و إعلاء كلمة دينه ودحر أعداءه, وأنا ليس لدي أي نية في أن أتعارض مع أي من هذه النوايا الحسنة, كل حرب في النهاية لها ضحاياها, شئنا أم أبينا, سواء بإفراغ خزانة سلاح آلي في أظهر المصلين في الخليل أو في اسقاط مركز التجارة العالمي بطائرتين على من فيهم, الطائرتين + البرجين, أيهما لم يقصد شيئا سيئا بالتأكيد, كلاهما كان يريد الأفضل للعالم, وكلاهما فقط, أخطأ في التطبيق, حتى وإن لم نتفق في الأساس في المنهج, رحم الله الشيخ "أسامة بن لادن", كذلك "باروخ", لا شماتة في الموت, والرحمة جائزة على الأموات جميعاً, أتمنى أن يكون أن يكون إله كل منهما راضياً عنه الآن تماماً, بغض النظر عن العدّة آلاف من الكائنات البشرية التي فُرمت و سحقت و اشتعلت, وما يحيط بهم من عدّة آلاف أخرى تعرفهم أو كانت تنتظرهم في البيوت على العشاء.