04 May 2011

ضحايا الرمزية








فكرتُ في "باروخ جولدشتاين", الطبيب اليهودي الذي نفّذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في " الخليل", قرب نهاية فبراير عام 1994, مفرغا سلاحه الآلي في المصلين في المسجد الإبراهيمي أثناء أدائهم صلاة فجر يوم الجمعة في منتصف شهر رمضان، قتل "باروخ جولدشتاين" 29 مصلياً وجرح 150 آخرين قبل أن ينقضّ عليه المصلون و يقتلوه.

نقلاً عن ويكيبيديا, فأنه فى تحقيق صحفي في إحدى مدارس الكيان الصهيوني – مدرسة الدنمرك – نشر في إحدى الصحف، تقول نيزعزرا -17 سنة – " لقد كانت مهمة مقدسة كان ينبغي أن يأخذ معه قنابل يدوية ", بينما تقول سيلفان ساسون زميلتها " إنه عمل بطولي.. إنه قديس " و تقول ايليزار كوهين " يجب أن يفعلها مستوطنون آخرون".
نقلا كذلك عن ويكيبديا أنه قد صرح قبل المذبحة بأيام في حوار له مع إحدى الصحف بقوله : "هناك وقت للكشف والعلاج في العيادة وهناك وقت للقتل " ثم أضاف : " إننا نغشّ أنفسنا عندما نفكر بإمكانية التعايش مع العرب".
فكرتُ في "باروخ", بينما أتابع مراثي اغتيال فقيد الأمة و شيخ المجاهدين, شهيد الإسلام و سنام عصره " الشيخ أسامة بن لادن".
كلاهما في الحقيقة, قتل عدداً كبيراً من الآدميين, بدافع نبيل تماما, نعم, كلاهما أخطأ في السبيل إلى الإله, لكن هل يمكن أن يجادل أي أحد, أو ينفي, أنهما أخلصا إخلاصاً كاملاً في التضحية و التقرّب, كلٌ إلى إلهه؟

"باروخ" أفرغ سلاحه الآلي في أعداء الرب, مباشرةً, أثناء أدائهم لطقوسهم الوثنية بحسب ما يعتقد, أفرغه في "الأغيار" الذين تعتبر دمائهم قربى رخيصة, مضحياً بروحه هي الأخرى كقربان كامل للربّ, حين كان حتمياً أن يتضمن تنفيذه لعمليته هو موته الشخصيّ, كذلك " بن لادن" الذي خلّف وراءه الحياة الكاملة, الثراء و الترف و البيزنس, من أجل الجهاد في سبيل ربّ آخر تماماً, معرّضاً حياته للخطر ثم الاغتيال, كلاهما كذلك يتمثّل إنجازه الأهم تاريخياً في عمل "قربانيّ" عظيم, راح ضحيته عدد من الآدميين, لكن التفصيلة الأخيرة هي إشكالية بسيطة إذا نظرنا إلى نبل الهدف, إلى رمزيته و ميزانه في ميزان "الإخلاص الديني", انحراف شكليّ بسيط في المنهج أدّى إلى عدد من الضحايا, 29 في حالة باروخ و عدّة آلاف بالنسبة لبن لادن.

كان من الممكن أن أفكّر في الأمر من منطلق, شيخهم و شيخنا, أن أنحاز إلى "بن لادن" بما إنه يتحدث من تحت المظلة الواسعة ذاتها, "الإسلام", حتى و إن كنت أختلف معه في "المنهج" و "التطبيق" _ أنا قلق بعض الشيء إن كنّا بعد اختلافنا في النقطتين الأخيرتين نعبد الإله ذاته, ولكن لا بأس_ الرجل كان مخلصاً لإلهي, أو المفترض أنه إلهي, بما أن الرجل كان مسلماً, لكن ماذا عن "باروخ"؟



أخمّن أن "باروخ" لم يفعلها وهو يفكّر أنه الآن حتماً يفعل أمراً شريراً وأنه كان يجدر به أن يلتحق بالدين الحقّ لكنه متحدٍ للإله الصحيح, الرجل ضحّى بحياته من أجل عقيدته!, "باروخ" لو كان مسلماً, مباشرة و دون تعقيدات, لو غيرنا اسم "باروخ" إلى "صفوان" مثلاً, دون أن نغيّر شيئا يذكر في تركيبته النفسية أو نظرته للعالم أو لطريقة إرضاء الربّ, كان ليكون أفضل بمراحل_ في نظر بن لادن على الأقل_ من كثير من المخنثين من معجبي بن لادن و متبنّي أفكاره, الذين يجلسون الآن أمام الشاشات بينما تختطف الكنائس المتحوّلات إلى الإسلام وتخفيهنّ في أقبية الأديرة, بدلاً من أن يحمل أحداً منهم سلاحه الآلي, يقتحم قدّاساً و يقدّم للربّ عدداً من الآدمين.

لكن مهلاً, شيئا كهذاً سيكون بشعاً جداً ربما, رغم رمزيته الفائقة, على نحو يذكّر بتفجير الكنيسة القديسيْن في الإسكندرية أوتفجير كنيسة سيدة النجاة ببغداد _ الأخير نفذّه فعلاً تنظيم يتبنى أفكار بن لادن الملهمة_ ماذا سيكون ذنب هؤلاء الذين ستسفك دمائهم في القدّاس؟, بعضهم على الأقل لا علاقة له إطلاقا, أو ربما معارض تماماً, لاختطاف المسلمات في الأديرة بأي حال.
الأمر بدأ يتعقّد قليلاً, إذن ماذا كان ذنب الآلاف في البرجين التوأم في 11 سبتمبر؟

آه, آسف, الأمر في 11 سبتمبر كان يتعلق بالـ"رمزية" بشكل كامل, دون شكّ لم تكن هناك أي ضغائن بين "بن لادن" ولا أيّ من منفذي العملية و أي آدمي من ضحايا الحادث الهائل, الأمر كله كان يتعلّق بالـ"رمزية", تركيع الولايات المتحدة الأمريكية, تلقين النظام العالمي الرأسمالي المتوحّش درساً لا ينساه, ضربةٌ في مقتل عبر بتر رأسيه المنتصبين في مانهاتن.

أنا أقدّر هذا الهدف النبيل, بما أني لديّ بعض الخلفيّات اليسارية, لكن ماذا لو كنت أنا ساعتها لسوء الحظّ في مركز التجارة العالمي أو حوله؟, كيف أضمن في المستقبل ألا أكون في محيط "رمزية" أي حدث أو أي أحد يريد أن يتقرّب إلى إلهه؟, وأؤكد على أنني لا أريد أن أتعارض مع رغبات أي مجاهد في سبيل الربّ _ أي ربّ_ في إنجاز "رمزياته", لكنني للأسف سأكون غاضباً جداً حين أفقد حياتي أو يفقد أحد المقربين لي حياته في المعركة "الرمزية" بين "بن لادن" و الولايات المتحدة الأمريكية.

مممم, ما أقوله لا يبدو "رمزياً" على الإطلاق, إذ ماذا سيكون العمل لو قرر أحد المؤمنين بنفس الربّ الذي أؤمن به, أن ينفذّ عملاً "رمزياً" كبيراً مثل ما حدث في 11 سبتمبر, من أجل قضية أؤمن بها تماماً, بينما أقف في محيط موجات دمار " الرمزية", هل تحفظي "الإنساني" أعلاه يعتبر على النقيض إغضاباً للرب؟, هذا شيء مربك في الحقيقة, حياتي الآن لا تتعلق بقراري وحدي, ثمة قرار جماعي يتخذه عننا المتقرّب إلى الإله, بشكل عام, بشأن متى يجب أن تكون حياتي رخيصة تماماً في سبيل "الرمزية" على كل حال, وإلا كيف سيمكن أن نواجه أعداء الربّ أو نوجعهم "رمزياً"..

إذن هناك شيء ما يتعلق بالـ"رمزية" يتوجب عليّ احترامه في المرات المقبلة, حين أتعامل مع قتلة آدميين في سبيل الربّ, يجب أن أحترمه, يجب أن أجلّ الإخلاص في تحقيقه, أنا لستُ إلهاً في النهاية لأحكم على كيف يتصرف أي شخص في سبيل إرضاء إلهه, الأمر كله في النهاية يصبّ في اتجاه: تبجيل الربّ و إعلاء كلمة دينه ودحر أعداءه, وأنا ليس لدي أي نية في أن أتعارض مع أي من هذه النوايا الحسنة, كل حرب في النهاية لها ضحاياها, شئنا أم أبينا, سواء بإفراغ خزانة سلاح آلي في أظهر المصلين في الخليل أو في اسقاط مركز التجارة العالمي بطائرتين على من فيهم, الطائرتين + البرجين, أيهما لم يقصد شيئا سيئا بالتأكيد, كلاهما كان يريد الأفضل للعالم, وكلاهما فقط, أخطأ في التطبيق, حتى وإن لم نتفق في الأساس في المنهج, رحم الله الشيخ "أسامة بن لادن", كذلك "باروخ", لا شماتة في الموت, والرحمة جائزة على الأموات جميعاً, أتمنى أن يكون أن يكون إله كل منهما راضياً عنه الآن تماماً, بغض النظر عن العدّة آلاف من الكائنات البشرية التي فُرمت و سحقت و اشتعلت, وما يحيط بهم من عدّة آلاف أخرى تعرفهم أو كانت تنتظرهم في البيوت على العشاء.