19 December 2011

بازل متناثر _ عن مسألة المجمع المصري

عزيزي المواطن المصري، أتفهّم قلقك البالغ تجاه حريق "المجمع العلمي المصري"، وأتفهّم كذلك اتصالات المواطنين الهلعة ببرامج التوك شو للتعبير عن غضبهم تجاه ما حدث لهذه المؤسسة العلمية الرفيعة.

ذلك لأنني أعرف مكانة هذا المبني الصغير حجما والعظيم شأنا لديك، ومدى اهتمامك به ومعرفتك بتاريخه وتفاصيل محتوياته، وأعرف دولة العلم التي نشأت وإياي فيها، التي ترفع من قيمة المؤسسات العلمية إلى ما فوق أي مؤسسة سيادية أوأمنية أخرى، ربما كان عدم تواجد الأمن لحمايته على غرار الاستماتة الضخمة في حماية مجلس الوزراء و وزارة الداخلية مجرد ثغرة أمنية أو خطأ إداري، لكني أعرف يقيناً أنك منذ اللحظة الأولى ميّزت المبنى خلال الأحداث ونشوب الحريق فيه، وتذكرت زياراتك المتتالية له، كما تذكرك ما درسته عنه في أي مرحلة دراسية وما مثله لك فيما بعد.

أنا لا أتهكم عزيزي المواطن المصري، فالمجمّع حقيقةً مؤسسة علمية هامة، واندلاع النيران في بنيانها خسارة علمية وقومية لاشكّ، أنا فقط أريد أن أحدثك عن مجموعة من التفاصيل، تبدأ كلها من المشهد الذي كررته وسائل الإعلام لمجموعة غير متناسقة من الأطفال والشباب ومتوسطي العمر يهللون ويهتفون أمام المبنى المشتعل: ولسه...ولسه، ليسأل الجميع السؤال الحتميّ: دول ثوار؟ دول بذمتك ثوّار؟

نعم، عزيزي المواطن، بعض ممن رأيتهم في المشهد أعلاه _ إن لم يكن كلهم_ من المحتمل كثيراً أن نطلق عليه التسمية السامية: ثوّار.

منهم من نزل في 25 يناير و28 يناير، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم على درجة عالية من الرقي والتعليم والسلمية والثقافة والمعرفة الحضارية بالمواقع والمباني والمؤسسات العلمية والتاريخية الهامة في مصر كما تفترض عزيزي المواطن في تعريفك "للثائر الحق".

لا أحد يعرف على وجه التحديد من أشعل المبنى، وإن كنت أذكرك بتاريخ حرائق المباني والمخازن الطويل في نظام مبارك الذي لا يزال جهازه الأمني بعقليته الشهيرة قائم وفاعل، وهؤلاء الذين رأيتهم في المشهد، وتتسائل حول مدى ثوريتهم، هم مواطنون رأوا مبنى حكومي بحسب ما توحي هيئته تشتعل فيه النيران، مجاوراً لعدد من المباني التي تعرضوا من فوقها ومن داخلها وفي محيطها للرصاص والطوب والقنص والسحل والتعذيب، فهللوا وابتهجوا، لا لأنه "المجمع العلمي المصري"، والذي أشكّ في أنك كنت تسمع بوجوده أو تعرف محله قبل أن تعمل الآلة الإعلامية في تعزيتك الحارة فيه، بل لأنه مبنىً ينتمي إلى "الحكومة"، ينتمي إلى منظومة القمع والقهر والعنف، يشتعل، لأنها خسارة للـ"حكومة"، خسارة للـ"ظلمة" الذين يحاربونهم في الشوارع من أجل حريتهم.

هل هم "ظلمة "فعلاً؟ سأجيبك عن ذلك فيما بعد لكن الآن أريد أن أعرف لمن توجه لومك العميق عزيزي المواطن، كون بعض "ثوار" بلدك يفتقدون إلى الثقافة والوعي، في جهلهم بقيمة المجمع العلمي المصري وبوجوده من الأساس، ربما مثلك بالضبط، إلا للنظام الذي شكّل وعي هؤلاء ووعيك، نظام خرّب ثقافتهم ونفسيتهم ومعرفتهم بالحدود الفاصلة بين الحكومة والدولة.النظام الذي يحاول البقاء قائماً بكل الوسائل الممكنة وأقذرها، وعبر استغلالك أنت كذلك.

ربما تعتقد عزيزي المواطن أن كل ملابسات حريق المجمّع وصلتك بكل دقّة وحيادية عبر وسائل الإعلام، الرسمية وغير الرسمية، لأنك لم تسمع اتهاماً واضحا للثوار هذه المرة، لم يتم كالعادة تلفيق فيديو لأحد الأشقياء يعترف أنه تلقى تدريباً في صربيا لحرق المجمع، لكنك للأسف تعرضت لما هو أسوأ، عبر عدد من آليات خداع الإعلام، الذي أدرك القائمون على صنعه أن عليهم تطوير آلياتهم في مقابل تطوّر وعيك النسبي في مواجهته منذ أحداث الثورة والفضيحة الإعلامية آنذاك.

الخدعة الأولى كانت "التأطير"؛ أن يصلك الخبر داخل إطار وجود "مخربين" _طرف ثالث_ مأجورين بين "الثوار" أشعلوا النيران في المبنى، دون أقل دليل رسمي واحد على ذلك، وهي للصدفة نفس نظرية السلطة بشأن سبب اشتعال المبنى وهي ليست نظرية عشوائية، تعتمد السلطة، أي سلطة، في استمرارها على شرعية تروّج لها بكل السبل وبكل وسائل التضخيم والتهويل: "الحفاظ على مقدّرات الوطن من أخطار وتهديدات خارجية وغامضة"، ليظل المواطنون مدينون على الدوام لهذه السلطة مهما ارتكبت من أخطاء أو تجاوزات بفضل حمايتهم وتجنيبهم ما لايعرفون تفاصيله بوضوح.

الخدعة الثانية هي "الإيحاء الضمني"، نعم لم يتّهم أحد هذه المرة "ثوار 25 يناير"، الذين نعرفهم جميعاً، الثوار الأطهار الأبرار مهندمي الزيّ شباب الفيسبوك السلميين خريجي كليات القمة، والذين على مايبدو ووفقاً لبيانات المجلس العسكري، لم يشاركوا بعد التنحي في أي تظاهرات أو احتجاجات أو مسيرات أو اشتباكات.

لكن الإعلام ظل يكرر عليك بشكل مستمر: مخربون بين الثوار، هناك طرف ثالث يندس بين الثوار، الثوار بينهم من يشعل الموقف، هؤلاء من أشعلوا المبنى_وبالمرة يواجهون القوات الأمنية الآن_ ليسوا ثواراً، الثوار سلميون، لايمكن أن يفعلوا "تخريباً" مماثلاً. لتصلك الرسالة: الثوار لابد أن يوضّحوا موقفهم، الثوار لابد أن يعودوا إلى منازلهم كي تتمكن السلطة من العثور على المخربين،الثوار لا يستطيعون السيطرة على الموقف، الثوار كائنات ملائكية مطيعة وغير صدامية،وفي نفس الوقت! نزول الثوار مرتبط بالخسائر والحرائق، يجب أن تتوقف الاحتجاجات والتظاهرات كي لا يندسّ أحد.

وهو ما تريده السلطة تحديداً،وحدث ويحدث، أن يتحول "نزول الثوار" في ذهنك إلى مصدر قلق عارم واحتمال للخسارة الفادحة على غرار المجمع العلمي الذي أقدر مصابك فيه.

وأن يتحول أي عمل صدامي، لا أقول الحرق أو التخريب، بل "أي" عمل "صدامي" مع قوات الأمن إلى عمل منسوب لـ" المخربين" و"الطرف الثالث".

يتوّج كل هذا في النهاية "التحييد"، "الخدعة الثالثة"؛ أن يحوّل الإعلام المشهد الكبير إلى مجموعة من قطع مشاهد صغيرة متفرقة، ليتحول بالدور حكمك على كل قطعة على حدة، فأنت أمام مشهد الفتاة التي انتهك جنود الجيش آدميتها وعرضها في الأسفلت تشعر بغضب عارم تجاه "هؤلاء الجنود" الذين تصرفوا على نحو وحشيّ، وأمام مشهد حريق المجمع العلمي تشعر بغضب عارم تجاه "الثوار" الذين سمحوا أن يندس بينهم من يقوم بهذه الأفعال، ثم تعرف أن السبب كان "لعب الكرة" _هكذا ببساطة_ دون أن يسمح لك الإعلام بلقطة واسعة للمشهد الكامل لتعرف الدوافع والأسباب والتراكمات والتطور الحقيقي للأحداث والمقصّر الأول في ترك المجمع يحترق وفي إعطاء الأوامر بالسحل والضرب والانتهاك.

تجد نفسك في النهاية مع تفتت المشاهد إلى بازل غير مترابط ولا مؤدٍ إلى بعضه البعض، مجرد مشاهد متتالية مؤثرة، أمام السؤال المؤجّل: "هل المجلس العسكري وأذرعته السياسية والقمعية ظلمة فعلاً؟"، غير قادر على الجزم.
خاصة أن هناك صورة ذات دلالات كثيرة عن سبب حرق المجمع العلمي المصري، الصورة التي توضح لك فعلاً من حرقه وكيف، الصورة التي ستجدها لاحقاً في هذا المقال وستجدها بالصدفة على فيسبوك وتسأل نفسك لمَ لم ترها في أي وسيلة إعلامية خلال محزنة المجمع المصري؟


هنا تتجلى أدوار إعلاميين على غرار "خيري رمضان" و"لميس الحديدي" وغيرهم، إعلاميي الولولة والتشتيت، إعلام "ليه كده بس؟" و "ينفع كده؟" و"هما دول الثوار؟" و"حرام..كفاية"، إعلام إنهاك أعصابك بالصراخ والخسائر والتعليق المبتسر على المشاهد المتفرقة _ولا بأس من القليل من تنزيه ثوار 25 يناير الملائكيين من الخطيئة بكافة أشكالها_ لنصل في نهاية كل حلقة إلى: لا شيء، سوى ابتلاعك لمجموعة الخدع أعلاه ورسائلها الضمنية.

بينما لا يتم طمأنتك بأي شكل أن هناك نسخاً موجودة ولو حتى لأغلب هذه الكتب النادرة، تخيّل الموقف: لو كان قد نشب حريقاً مماثلاً بسبب ماس كهربائي، كانت نفس وسائل الميديا، ونفس البرامج ونفس المذيعين، سيحاولون تهدئتك أن "السلطات قد سيطرت على الأمر"، "هناك عدة نسخ من أي كتاب نادر وهذا بديهي في عدة أماكن ومؤسسات".

الأهم أنك لن ترى هذه الصورة، الصورة التي توضح لك من الذي "حرق" المجمع العلمي المصري، حين طلب من أفراده الصعود إلى سطحه وإلقاء الحجارة والرخام على المتظاهرين فحوله إلى مصدر تهديد وقتل واجب الحرق.



ينطبق الحديث على الصحافة المقروءة كذلك، مع ملاحظة أخرى مثيرة للدهشة، الصورة الأكثر تأثيراً وجدلاً في أحداث الأمس السبت 17 ديسمبر: صورة الفتاة المصرية عارية تحت أقدام جنود المجلس العسكري، التي نشرتها عدة صحف أجنبية على مستوى العالم: صنداى تايمز ونيويورك تايمز والميرور البريطانية ولوموند الفرنسية ووهآرتس الإسرائيلية وثينك بروجرس النرويجية وجريدة بيليد الألمانية، لم ينشرها من الصحف المصرية اليومية سوي: التحرير _ في صفحتها الأولى بشجاعة كاملة_والشروق في طبعتها الثانية في الصفحة الثالثة.


بينما يمكنك ملاحظة المانشيتات المروّعة والصور المفزعة والمراوغة والموحية عن التي صدّرتها الصحف اليومية المصرية على صفحتها الأولى عن حريق المجمع المصري وفداحة مصابك أيها المواطن في أعز ما تملك، مجمّعك العلمي. بعيداً عن مسألة هامشية، صورة أخرى من مشهد أخر لا يرتبط بالضرورة بمشهد حرق المجمّع: مصرية مسحولة يتم تعريتها ودهس صدرها، بعد ضربها بالهراوات و الأقدام عدد لا يحصى من المرات على كل قطعة من جسدها ثم سحبها على الأرض.
نعم، مصابنا لا يعوّض ولا يوازيه أي مصاب آخر.....في حريق المجمع المصري.





22 October 2011

اتحسسوا رتبكم

قائدكم الأعلى
و دولتكم الميري
كاباتكم الحمرا
والشخط والشومة
قامت قيامتكم
مش هوجة ملمومة.

مش شلنا راس الصنم
علشان نألّهكم
متناش عشان يحكم
من كان يعظّمله
كنتوا ف نعيم دولته
سيفه وأكرم له
عيّشكوا ف قصوركم
ودفنا ف جحورنا
ونزلنا عزل.. نزلتم
تتحاموا ف ضهورنا
شلناكوا ع الأكتاف
ركّعتوا أسيادكوا
قلنا حيتعلموا
الهيلمان خادكوا

الجيش مش العسكر
اتحاموا فيه أكتر
لو متنا برصاصنا
استقبلوا الطوفان
استقبلوا جيوشنا
لو قلتوا نحكمها
اتحسسوا رتبكم
وافتكروا ف وشوشنا

04 October 2011

كيف يرى الميري ثورتك عزيزي المواطن؟


عزيزي المواطن المصري، كيف يفكر الميري في ثورتك؟
لماذا أشير إلى اللي بالك بالك بالـ "ميري" بعد الثورة، رغم أن الثورة كانت في الأساس ثورة حريّات؟ بعد أن كان مبارك نفسه مشاعاً للنقد والسبّ والمرمطة الصحفية والشعبية؟
سأجيبك عن أحد السؤالين، الآخر أجب عليه بنفسك وأنت تسمع مداخلات السادة اللواءات على التوك شوز.

الإجابة هي
التالي، ربما بعد قراءتها تلوم نفسك على إهدار وقتك في قراءة ما تعرفه مسبقاً، أنا أنشرها فقط للتاريخ، ولنفسي، لأنها إجابة تشككت فيها طويلاً أن تكون الرؤية الرسمية للميري، إلى أن أكدتها لي روايات عديدة من ثقات: أصدقاء ومقرّبين، التقوا بقيادات أمنية وعسكرية، بينها وزير الداخلية نفسه، وشخصيات تتحكم الآن في المصير المصريّ على أعلى مستوى، نعم، منهم اللواءات العظام أصحاب الصوت الفخم والصراخ الوطني في التوك شوز، كذلك متقدّمين للكليات العسكرية والأمنية، حضور في لقاءات رسمية، مؤتمرات ميري، وغيرها من اللقاءات التي يتم التجهيز لها بكلمات وبيانات رسمية معدّة بدقة وفقاً لرؤية السلطات الحاكمة.
مجمل هذه الشهادات هو التالي، مجمل تجميعها جنباً إلى جنب، صدّقه أو لا، هذه مدونة شخصية، وهي لا تعبر سوى عن رأيي ويجوز فيها العمل على نصوص تخيلية كثيرة، يمكنك اعتبار التالي إحداها:

هذه ثورة طاهرة، نزل فيها جموع الشعب المصري وشبابه الطاهر, طلباً للتغيير واحتجاجاً على الفساد الذي كنا نجأر منه جميعا، شباب 25 و26 و27 الطاهر النبيل العفيف الشريف، ثم جاء 28 يناير، وهنا قفزت قوى الظلام على الثورة، القوى السياسية المدعومة من الخارج ( يعني الإخوان و 6 أبريل تحديداً، نعم، قيادات أمنية بارزة يمكنها أن تجزم لك بذلك، ولا تندهش أن تعرف أن ثقافة لواء عظيم الشأن يمكن أن يتحدث بهذه الخفة والجهل عن كفاية ونشأتها مثلاً، أن يكون فعلاً لا يعرف شيئا عن تاريخ 6 أبريل ولا نشأتها ولا ارتباطها بالحركة العمالية ولا حجم التدريب الاستراتيجي الذي أعدّته حركة أوتبور الصربية للحركة أو قوة الحركة ذاتها في الشارع وشعبيتها )، هذه القوى السوداء: أحرقت أقسام الشرطة ومقرات الحزب الوطني والمنشآت الحيوية (الإخوان على موتوسيكلات بالمناسبة وفقاً لإحدى الروايات) ، رغبة منها في إسقاط الدولة المصرية، لكن مصر لا ولن تسقط، إذ قيّد الله للثورة المصرية جيشها العظيم ليحميها في بوادرها من الانحراف الذي أرادته لها هذه القوى المنفّذة لأجندات خارجية، يمسك بزمام الأمور، يحمي المواطنين الشرفاء من الأفّاقين والمدّعين والثورجية والنشطاء الممولين من الخارج ( حزب الله وحماس و آخرين) من تصدّر المشهد والذين يواصلون إلى الآن محاولاتهم الهدّامة لتقويض الدولة، أما لم لم يتم الإعلان عن هذه التفاصيل في حينه؟، لأنه لم ولن يكون من المناسب أن يعرف الجميع أن مجموعة من العناصر المخربّة الممولة من الخارج كانت قادرة على ليّ ذراع النظام وهدم الجهاز الأمني المصريّ الأسطوري وحشد كل هذه الجماهير، نعم، لا يمكن أن نعترف بشيء كهذا رغم قناعتنا كجهات منضبطة ومسئولة بذلك، ففي النهاية، وبالرغم من كل شيء كانت هذه هي رغبة الجماهير الشعبية العريضة ورغباتنا كذلك على نحو ما، وهو المهم.

هناك تياران داخل المؤسسة الأمنية المصرية: تيار ضئيل خافت في الأجهزة الأمنية الرسمية في مصر، يعتقد بأنها ثورة حقيقية، لم تحقق أهدافها بعد، ثورة أصيلة بدأها أفراد مخلصون من هذا الشعب وواصلته الجموع الغفيرة دون أي تدخلات أو أجندات خارجية. وتيار أساسيّ، لايزال يقف عاجزاً أمام حقيقة أن التغيير في مصر تمّ بالفعل، فاجئهم، تحرك بمعزل عنهم وهم أباطرة الحلّ والعقدّ والقوة والتخابر، فكان الإنكار والتصورات البديلة هو الحل لكل شيء، اعتبارها "أحداثاً" أو "احتجاجات"، فعل كل شيء ممكن لتبرير كيف يعقل أن تقوم ثورة لا تتوقعها مخابرات ولاجيش ولاشرطة، ولكي يواصلوا القدرة على إقناع الشعب أنهم لازالوا هناك لحكمه وحمايته.


عزيزي المواطن، كان هذا نصاً تعبيريا..
كل عام وأنت بخير بمناسبة نصر أكتوبر المجيد، شاهد فيلم الطريق إلى إيلات واسمع كلمة المشير وتمنى لنفسك ثورة سعيدة.

10 June 2011

لقاء من النوع الثالث





هناك مشهد من فيلم "لقاء من النوع الثالث" لستيفن سبيلبرج, ظل عالقاً بذهني على نحو غير مفهوم, أتذكره من حين لآخر دون داعٍ حقيقي أو رابط, ذلك منذ أن شاهدت الفيلم ثم قرأته مكتوباً في سلسلة روايات عالمية للجيب ربما منذ أكثر من 15 عاما, في الحقيقة يمكنني أن أسرد بقليل من التركيز مجموعة من المشاهد والمشاهدات التي تنتمي إلى نفس النمط, والذي اعتقدت في فترة من حياتي أنه خلل دماغيّ, يدفعني إلى تذكر واستعادة مشاهد مماثلة أو إيماءات بعينها أو حتى حدث يومي تافه منذ سنوات طويلة, بشكل متكرر و ثابت, دون أن أفكر أو أرى أو أسمع أي شيء يذكرني به من قريب أو بعيد.

إلى أن أيقنت أن هناك رابطا ما خفيا, لا أدركه على نحو واعٍ, بين أغلب هذه الأشياء و بين تفاصيل أساسية في حياتي, ويدركه عقلي على نحو آلي, ويتصرف على أساسه ببث هذه المشاهد والتفاصيل مباشرة إلى الذهن.
المشهد كان حين تقوم بطلة الفيلم, إحدى الذين تعرضوا للقاء من النوع الثالث, بحسب تصنيف هاينكس, لكائنات من الفضاء الخارجي, أو لأجسام طائرة مجهولة, بكشف عنقها كاملاً أمام بطل الفيلم, الذي تعرّض هو الآخر بدوره لنفس التجربة, لتريه علامة ما لا أذكرها من أثر اللقاء, فيرتبك أمامها, فتعتذر له مبررةً ما فعلتْ أنها منذ ما حدث تعتبر كل الذي مرّوا بهذه التجربة إخوة بشكل ما, تربطهم رابطة غامضة عميقة.

منذ أيام تذكرت هذا المشهد, لكن هذه المرة أدركت لمَ تذكرته, كنت في عرض "مونولوج التحرير" بمسرح روابط, جالساً على مدرج المسرح البسيط, أشاهد حكايات مستعادة من أيام التحرير, قصص حقيقية أرسلها أصحابها إلى منفذي العرض, ليقوموا بأدائها أو يقوم أبطالها الحقيقيون أحياناً بذلك, وكان ذلك جميلاً, وموجعاً وبديعاً.

ذكريات الثورة لا تعود وحدها, و استعادتها ليس بالأمر السهل,لأنها أبدا لا تعود مجرّدة من كل ما صاحبها من مشاعر وانفعالات هائلة غير قابلة للاحتواء, غير قابلة للاعتياد, دفقات ضخمة ضاغطة في الأعصاب, وتداعٍ مستمر لابد أن توقفه وإلا ستنسحب إلى الأبد في الدوران الثابت حول مركزها الكثيف الوامض, وأعني تحديداً من كل ما حدث و كل ما نتذكره, ما يمكنني تسميته بـ"أيام التحرير".

نعم, هناك تجربة ما, لقاء ما من النوع ذي الرقم المبهم, مرّ به كلّ من كان في التحرير, لا مارّاً أو زائراً أو عابراً للاطمئنان, بل للذين حدث وأن تشبثوا بالميدان بالأسنان والأظافر, بالخيام و المتاريس و الحديد, ليحول بينهم وبين الجميع: الملايين الغاضبة الملتاعة في البيوت و المتعقّلين و الهمج والقتلة والوفود الليلية المميتة, لم يكن لقاءا خاطفاً أو مشوّشاً, بل متصاعداً إلى ذروة, في ليلة التعرّض الكامل لللقاء على نحو مكشوف كامل, ليلة الخميس 3 فبراير, حين أدرك كل من هو خارج الميدان أن كل من هو داخل الميدان, يمرّ الآن عبر جسده, عبر وجوده البشري هناك, بالتحقق الكامل للفعل الثوري مكثّفاً, الثورة حين تتنزّل من فكرة مثالية متسامية لتنحصر و تُحاصر في عدد محدود من الأجساد البشرية في مواجهة زوالها الكامل.
في حيز الساعات القليلة المحيطة بهذه الليلة, مرّ باللقاء الكامل عدد لا أعرفه على وجه الدقة, هؤلاء من بين جميع من مرّوا بالتجربة, سيتألمون كثيراً في الأيام القادمة, لأنهم سيسمعون من يتحدث عمّا حدث ببساطة, وعن الميدان باستخفاف أو حتى بعاديّة, الثورة لا محالة ستخبو تدريجياً, على نحو قدريّ مفهوم للجميع, لتحل محلها الحياة العادية, هذا العملاق البليد الهائل الداهس لكل الأحداث والأشخاص و التواريخ في طريقه اليومي المعتاد إلى البيت, لذلك سيتألمون وحدهم طويلاً بينما يحدث ذلك, سيشعرون بالفـَرَق والضيق وآلام متباينة, كلما خبا حضور الثورة حولهم, سيبقون دائماً محتجزين هناك, داخل الميدان, معلّقين حيث كانوا, وحيث اكتملت أرواحهم على نحو تامٍ و نهائي, في المكان الذي قاموا فيه بالفعل الأكثر كمالاً في حيواتهم القصيرة, وفي حيوات ملايين الملايين من البشر التي لم يتوفر لها تجربة مماثلة, لا تتكرر كل عدّة قرون, حيث كانوا محظوظين بالحضور في حدث فوق طبيعي, في حيّز محدود, كثّف بمحدوديته حضور الحدث ولامحدوديته فيهم, فخلفته أجسادهم بعدها تاركةً تجاويفها في الفراغ, يحنون إليها ولا يقرّون إلا بتذكر وميض أجسادهم هناك, مكتملةً و كاملة, ثم بالعودة إليها من حين لآخر, بحجج مختلفة و متعددة, يحرصون أن تظل أنيقة ومنطقية للسواد الأعظم الذي كانوا خارج حدود الميدان, يتشبثون بالمنطقي و المفهوم, لتجنّب هذا الضغط الثقيل للعودة, مدركين أنهم, رغم كل الأسباب والحجج والدوافع, راغبين فقط في الذهاب مرة أخرى إلى هناك, إلى استعادة الميدان, حيث كانوا وكيفما كان, في هذا اللقاء الكثيف.

لكن ذلك للأسف سيبدو غير مفهوم للآخرين, سيبدو شاذاً وغريباً, حين حلّ محلّ فعلهم الثوريّ, المعاني الكبيرة و الكلمات المؤسسة بعناية للوصف والحصر وتسكين الأحداث في الأدراج محدودة الحيّز المعدّة لذلك, سيقرأ ما كتبتُ كثيرون, سيعتبرونه شاذا وسخيفا, وسيقرئه قليلون, وسيعرفون ماذا أعني.
لأنه لا علاقة له بالامتياز الثوري لا بالفرز الثوري ولا بتبجيل خاص للذين كانوا هناك.
أنا أعوّل على إخوتي في اللقاء, أنا ألوّح إليهم


24 May 2011

ملاحظات "غير ثورية" عن الثورة


أثناء دراستي في كلية الطبّ, في العام الأول أو الثاني لا أذكر تحديداً, قال دكتور "رشيد"_ وهو عالم كيمياء حقيقي_ في أحد محاضرات الكيمياء الحيوية, عبارة بسيطة تماماً, لكنها كانت ملهمة بالنسبة لي, " لا يمكننا أن نفهم ماذا سيحدث, أوماذا يحدث الآن, إن لم نفهم بشكل كامل, بشكل تفصيليّ, ماذا حدث أصلاً في الماضي", كان يتكلم عن أن العلم قائم بالأساس على إجابة سؤال أوّلي: ماذا حدث؟, كيف تمّت هذه التفاعلات, تلك هي الطريقة الصحيحة للإجابة عن سؤال آخر أكثر شيوعاً, أكثر إلحاحاً و ضغطاً لكنه أقل أهمية في هذه الحالة, وغالباً ما نطرحه قبل السؤال الأول, وهو : ماذا يحدث الآن؟, والذي يعتبره سؤالاً غير علميّ, لأن التجربة لا تعني "مراقبة" التفاعل, بل "مراقبة الفرضية" عمّا حدث من قبل, في نفس الظروف وفي وجود نفس العوامل.
تذكرت هذه المقولة, وأنا أقرأ طوفان المقالات والأخبار اليومي عن تطورات الوضع في مصر بعد الثورة, أنا لست عالم كيمياء ولا أنثروبولوجي ولا اجتماع ولا سياسة ولا اقتصاد, أنا فقط سأخبرك بمجموعة ملاحظات غير مرتبة, شديدة الأهمية في رأيي تحت بند محاولة البحث عن "ماذا حدث"..
أنا لن أقلل من حجم التظاهرات ولا أعداد المعتصمين في ميدان التحرير, ولكني كنت هناك, وكنت أخرج على فترات للعودة إلى البيت, مما كان يسمح لي رؤية المشهد كاملاً.
إلى الآن لازلت أجد الحديث عن الثورة كحدث رومانتيكي كامل, الثورة الشعبية, الثورة التي شارك فيها "الشعب" بأكمله ودعّمها و حماها, عبارة عن مبالغة ضخمة, بمعنى أدق مغالطة تاريخية صريحة, ستشوّش أذهاننا كثيراً في محاولة فهم هذا "الشعب" وطريقة تعامله مع الأمور في المستقبل, هل نسينا فعلاً ردود الأفعال بل و الأفعال الشعبية العفوية تجاه الاعتصام؟
لازلت أعتقد جازماً أنه لو كان دُعي إلى استفتاء عام في جميع أنحاء مصر يوم 8 فبراير مثلاً, حول استمرار الاعتصام في ميدان التحرير من عدمه, لصوتت الأغلبية من المصريين لصالح "إخلاء الميدان".
هذه ملاحظتي الشخصية فيما أقول لك,وملاحظتي مبنية على احتكاك مباشر ومستمر على مدار الثمانية عشر يوماً, مع الأهل والأصدقاء و الأقارب و الغرباء و الزملاء و المعارف, على الفيسبوك وفي الشوارع و حول الميدان, يمكنني أن أقول بارتياح أن واحد فقط من كل خمسة أقابلهم كان مع استمرار الاعتصام, أضيف إليه واحداً آخر, مرتبك بشأن الأمر ولايزال يزن موقفه من استمرار الاعتصام رغم ميله إلى الرغبة في انتهاء "الأزمة" في أسرع وقت و"الرضا" بالتعديلات التي أقرّها الحيوان مبارك, ثم ثلاثة مطمئنين تماماً إلى أن استمرار الاعتصام خطأ كبير يجرّ البلاد إلى مالا يحمد عقباه..
هل أحدثك الآن عن شيء غريب أو شاذ أو تسمعه ربما للمرة الأولى؟, هل تناسينا هذه الحقيقة البسيطة بينما نتحدث الآن عن "الشعب" ورغباته وأولوياته؟, أنا مقدر تماماً إيفوريا النصر الشعبي, و الرغبة الكبيرة في مدّ النجاح الثوري إلى كل مواطن مصريّ, بصفته فاعلاً و مشاركاً, أنا مع ذلك تماماً على المستوى الرمزي, لكن حين نبدأ في تقييم الحقائق لنرى فعلاً " ماذا حدث", سنجد أن ما حدث لم يكن " الثورة الشعبية الكاملة" التي يتحدثون عنها, هذه الثورة تمّت لأنه كانت هناك "كتلة" ما من المتظاهرين وصلت للعدد الحرج الذي منحها قوة إجبار الجميع على مواصلة "الثورة".

أنا بالمناسبة لست من داعمي نظريات "الأوليجارشيا" و دور "النخبة" أو "الطليعة" مؤمنةً كانت أو لينينية,خاصة أن الكتلة الحرجة من المتظاهرين التي أصفها لا تنتمي لفصيل سياسي واضح, أو نخبة ما, أو حتى لطبقة اجتماعية واحدة, وهو ما يزيد الأمر تعقيداً في محاولة تحليله, لكنها في النهاية حقيقة يجب أن نعيها, أن نفهم منها شيئا ما على الأقل, وأترك ذلك لعلماء الاجتماع أو السياسة, فقط ينبغي عليّ هنا أن أوضّح أنني لا أعني أن الشعب بالضرورة كيان جاهل أو ساذج أو قاصر ينبغي على فئة ما أو نخبة ما أن تحدد له وجهته ولو إجباراً, على غرار ما حدث في الثورة في رأيي, أنا طالما كنت أحد المؤمنين بقوة الناس, وبضرورة احترام قرار الأغلبية, حتى لو انتهى بصعود أي فصيل سياسي أرفضه مثلا إلى الحكم عن طريق الديمقراطية و صناديق الاقتراع.
أنا فقط أضع الملاحظة في مكانها,"الثورة" المصرية فعلياً زحزحت كل هذه القناعات ولو قليلاً تحت وطأة الحقيقة التي عشتها كاملةً خلال فترة الاعتصام, حقيقة أن الرغبات الشعبية للأغلبية في مصر كانت ضد الفعل الاحتجاجي الأكثر تأثيراً و نجاحاً في مسيرة اكتمال الثورة: "مواصلة التظاهرات و مواصلة الاعتصام في ميدان التحرير".
بل في كل مرة أحاول إعادة التفكير في كيفية حدوثه و استمراره و نجاحه, أرى أنها بالفعل تمت بالطريقة التي وصفتها أعلاه: كتلة حرجة من المتظاهرين, أجبرت الجميع على إتمام الثورة, لأني أعلم يقيناً عبر تجربتي الشخصية على الأقل, أن الأغلبية من سواد الشعب المصري لم يكن بحال داعماً لاستمرار التظاهر أو الاعتصام في الميدان.
يعزز ذلك لديّ ملاحظة مهمة, ربما لا يعلم عنها البعض أي شيء, أن اللجان الشعبية في مناطق مثل السيدة زينب وباب اللوق وبولاق أبوالعلا, وكذلك إمبابة, كانت مصدر تهديد دائم للمعتصمين, في الأيام الأخيرة قبل التنحي كان علي أن أنكر في كل مرة أني قادم لتوي من التحرير, لأعبر من اللجان الشعبية المتتالية في شارع الكورنيش والكيت كات ثم شارع ترعة السواحل, بعد أن قطعت المسافة كاملاً من التحرير إلى الكيت كات سيراً على الأقدام, ذلك فقط لأصل إلى البيت آمناً.
كان ينقذني كارنيه نقابة الأطباء, محاولاً إقناعهم أنني كنت في المستشفى وعائدا إلى البيت, بعضهم كان يؤكد أنه لا يصدقني, و أنه يعرف أنني عائد من التحرير لكنه سيدعني أمرّ, مع الضغط على الحروف وهم يفتحون لي الطريق: اتفضل يا دكتور, ثم أسمع سيل الشتائم المقذعة المتواصل عن المعتصمين وشباب الميدان..إلخ
أخي الأكبر صباح يوم 2 فبراير سلمته اللجان الشعبية في باب اللوق أو عابدين, لا أذكر تحديداً, هو وزميل له في جريدة المصري اليوم إلى الجيش, أثناء توجههم من الميدان إلى مقر الجريدة, بدعوى أنه قد فاض الكيل بكل من في التحرير, ضابط الجيش بدوره كان ينوي تسليمهما بعصبية ونفاد صبر إلى أمن الدولة في لاظوغلي, لولا أن لوّح لهم عمرو بكونهما صحفيين في المصري اليوم.
أنا واثنان من أطباء المستشفى الميداني, استوقفتنا لجنة شعبية في السيدة زينب, ارتاب فينا أحدهم مشيراً إلى أننا نبدو من بتوع التحرير, وفتشونا بشكل كامل ليجدوا الخيوط الجراحية التي خرجنا من الميدان لشراءها من أحد محال المعدات الطبية في السيدة زينب, وتم الاشتباك, شتائم وتدافع, واضطررنا إلى ان نبدي وجهاً شرساً, بدلا من الشعور بالذعر أو بالورطة الذي يفاقم من شراسة أشاوس اللجنة الشعبية تجاهنا, وبالفعل, تدخل البعض الذين أوضحوا لهم أننا أطباء وأننا محايدون ونقوم بدورنا في علاج الناس هناك, وأنه واجب إنساني..إلخ, وتركونا نمرّ لنتعلم من التجربة و نتفرق و نحاول قدر الإمكان تجنب أي لجنة شعبية أخرى إلى أن وصلنا للميدان.
بعد الثورة بأيام كان يمكن ملاحظة لافتات منتشرة تحيي شباب بولاق: شباب بولاق من شباب الثورة ونرفض الإساءة إليهم, البعض لم يكن يفهم الداعي للافتات كهذي, لكن كثيرين يعرفون ماذا كان يحدث للراغب في نزول منزل كوبري 15 مايو تجاه بولاق أبو العلا, بدلا من النزول تجاه التحرير لتجنب بلطجية مناصري مبارك أمام ماسبيرو, وهو يحمل أدوية أو بطاطين أو طعام إلى الميدان, أحد أصدقائي تعرّض للإهانة و خطف كل حمولة الأدوية التي كانت في سيارته و تهديده من قبل شباب اللجنة الشعبية التي كان يشاركهم فيها أفراد أمن عند منزل بولاق أبو العلا, و الذين اصطحبوه إلى ضابط مباحث نصب لنفسه موقعاً بالقرب من وزارة الخارجية وعرضوا صديقي عليه قبل أن يصرفوه مع وابل من التهديدات.
لا أنسى كذلك المتطوع الذي هاتفني ليعرف أي مداخل الميدان أكثر أماناً ليصل بحمولة الأدوية إلى الميدان صباح 3 فبراير, وبعد السؤال والتحقق من شباب أمن الميدان أخبرته أن جهة باب اللوق الآن آمنة, لكنه هاتفني بعدها بساعة, يخبرني أن سيارته تحطمت بالكامل, مع إلقاء كامل شحنة الدواء أمامه على الأسفلت, إلى أن أنقذه ضابط قوات مسلحة وأمره فوراً بالعودة إلى المنزل, كان يبكي في الهاتف وهو يخبرني أنهم لم يكونوا بلطجية ولا وجوه مسجلي خطر, بل أهالي المنطقة, ينادون بعضهم بالحاج فلان و الحاج فلان, وبعدها بفترة طويلة ظللت أقنعه أن يعود إلى بيته ولا يكرر التجربة مرة أخرى إلا أنني عرفت فيما بعد أنه واصل المحاولة بعد شراء أدوية بما تبقى في جيبه من نقود ونجح بالفعل في الوصول إلى الميدان.
العديد والعديد من القصص عن اللجان الشعبية التي منعت والتي ضربت والتي حطمت و كسرت و ألقت بالطعام و الأدوية في النيل وعلى الأسفلت و في القمامة, ستسمعها من المعتصمين في الميدان أو الداعمين للاعتصام, في أوقات كان المرور فيها بالطعام و الدواء للميدان شبيه بعملية انتحارية, ضد الرغبات الشعبية و الغضب الشعبي, بالطبع كان هناك تحريض أمني واضح في بعض المناطق, لكن التحريض وحده لا يبرر كل ما حدث, لأنه ببساطة كان رد فعل عفويّ تماماً, متسق مع ما كنت أسمعه في الشارع ومن الأهل و الأصدقاء بشأن مواصلة الاعتصام, عدد ضخم كان يرى استمرار الاعتصام فعلاً عبثياً, وقلة أدب وعدم احترام لرغبات الأغلبية, سيحدثك كثيرون عن المكالمات النارية التي كانت تصلنا بين الحين و الآخر من الأهل و الأصدقاء ليحدثوننا عن غباءنا و عن جهلنا السياسي و عما نجرّ البلاد إليه, مع رغبة حارة عميقة وصادقة في أن نغادر الميدان.
كل ما سبق يطرح أسئلة كثيرة حول: "الرغبة الشعبية" و "رغبات الشعب" و "الأولويات الشعبية"...إلخ, وهو ما لا أملك إجابات وافية عنه حالياً..
لكن تذكّر الحقائق السابقة ومحاولة فهم حقيقة "ماذا حدث" و"كيف حدث" ربما يقودنا إلى رؤية حقيقية أو واقعية لما يحدث الآن ولما يجب أن نرتّب أولوياتنا وفقاً له فيما يتعلق "بالشعب" و "الرغبات الشعبية" التي يتحدث عنها البعض كونها مقدّسات ومسلمات رياضية..