04 June 2010

قصيدة النثر ستواجه نفسها



أولا : هذه ليست شهادة شعرية ,ثانيا: في سياق الحديث عن قصيدة النثر الآن هناك نقطة شديدة الأهمية, يتم إغفالها ربما لبداهتها المفرطة , وهي أن الخطر القمعي أو الإقصائي على قصيدة النثر أقل تهديدا بمراحل من الخطر الذي يمثله محبوها المخلصون في الأمسيات الشعرية و مختلف الإصدارات الأدبية الورقية و الإلكترونية , فقصيدة النثر العربية _ بعد الفراغ من المعركة العبثية مع تجاهلها و إقصائها رسميا_ ستواجه نفسها أخيرا, و ستشعر بنوع من الصدمة أن الغبار الكثيف الذي خلفته المعركة لم يكشف بعد قليل إلا عن هؤلاء الشعراء الذين ستتأملهم قصيدة النثر نفسها بهلع , فبعد أن كانوا يصرخون باستشهادية ورائها على طول الخط , سيكون عليهم من الآن الوقوف وحدهم أمام جماهير القرّاء و الشعراء , أن هاتوا ما عندكم بعيدا عن التلويح بـ "تراث" قصيدة النثر و "حتميتها التاريخية" و بودليرو رامبو و الماغوط ..إلخ .

بعيدا عن الشخصنة لأني لا أقصد أي أسماء أو إصدارات أو مجموعات شعرية أو مؤتمرات ثورية أو قامات شعرية تنتمي إلى قصيدة النثر و تعتبر نفسها في طليعة المواجهة مع أعدائها, أنا أتحدث عن قصيدة النثر التي نقرأها الآن في الإصدارات الأدبية كافة و نسمعها أحيانا و نشتريها نادرا, كقارئ لقصيدة النثر بعيدا عن كوني أحد المجربين في قصيدة النثر أو أي شكل شعريّ آخر, يمكنني أن أقول براحة أن 99 % مما يكتب تحت توصيف قصيدة النثر الآن هو صك إعدامها الفوري الذي يمكن تقديمه إلى السادة كهنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة, هناك حقيقة أخرى هي أن 99 % أصلا من الشعر المقروء و المسموع ردئ بشكل يمكن اعتباره أحد الأسباب الرئيسية في عزوف الجمهور عن الشعر ككل , عموديّه و تفعيلته و نثره,, أما المسألة فهي تبدأ من الحقيقة السابقة , من أن الغثاء الشعري المكتوب نثرا لن يكون مدعوما بأي شيء إلا ذاته للأسف, إلى جوار أشكال الشعر الأخرى التي قد تتكئ على الوزن و القافية و الأسلوبية و التراث الجمعي للشعر العربي مما يمنحها بعض القيمة أو الوقار النسبي , أي أنه أمام القارئ لن يكون هناك أي أسباب للغفران عزيزي الشاعر, حررناك من الوزن و القافية و الجمود و الرتابة و السلطة الأبوية, لم يبق لديك عذر إلا أن تكتب بشكل حقيقي أو أن ترحم جمهور الشعر القليل من الأساس على مر التاريخ قديمه و حديثه, مع الإعتذار لأساطير الأمة الشاعرة التي درسناها في ثانوي و ما تلاه بالنسبة للبعض في كلية الآداب قسم لغة عربية.

أنا لا أدعو إطلاقا إلى وجود أي نوع من "الفلاتر الشعرية" أو شهادات شعرية تسلّم للصالحين مبدئيا لكتابة قصيدة النثر أو أي رقابة فنية من أي نوع, بل أنا مع فتح الباب لشعب مصر كاملا لكتابة قصيدة النثر و نشر إبداعه القومي في أرقى الإصدارات الأدبية بالدور, و ذلك لأني لست جهة تقديم الحلول, أو الإشارة مثلا إلى أهمية النقد الذي يفرز التجارب الحقيقية من أشولة الشعر الفائضة, ليس لدي حلول وإلا كنت استعملتها ابتداءً على ذاتي على جميع أنواع الشعر قبل قصيدة النثر, الموضوع هو أن غياب المعايير الهندسية للشعر و وقوف الذائقة بشكل مفرد أمام قصيدة النثر يستلزم شهادة من نوع أن أعزائي شعراء قصيدة النثر, آخر قصيدة نثر محترمة قرأتها كان من شهور على مدونة شخصية لشاعر مغمور جاء اسمه عرضا في حوار قديم مع محمود درويش عن شعراء قصيدة النثر الذين يقرأ لهم , فعلا أشعر بالغثيان من أغلب ما أقرؤه و يندرج تحت توصيف قصيدة نثر, و أخشى من نوع من الميوعة في ذائقتنا الشعرية تجاه عدة أشكال شعرية تالفة, هي عبارة عن مجهود لحظي لأفكار لحظية مصاغة في بناء هش تماما , قد تدفعنا بحكم تعاطفنا مع قضية قصيدة النثر أن نتسامح معها بنبل زائد عن الحاجة, و أخص بالذكر مجموعة كبيرة من كتّاب و كاتبات القصائد السنتمنتالية اللطيفة المثبتّة إلى جوار صور الحجم الطبيعي أو القوام النصفي في الإصدارات الإلكترونية الثورية ,لا أدرى في الحقيقة ما هو الميكانزم الذي يمكن خلاله تحسين الأداء, لكني أعرف الطريقة الأكيدة التي يمكن بها الحفاظ على قصيدة النثر منيعة نسبيا على الأقل من أن تؤتى من قِبَلنا, و قِبَلنا حاليا هشّ جدا.


نشر في العدد الأول من " الكتابة الأخرى" _ الإصدار الثاني