19 March 2010

مفيش آسف ؟


ترك العسكري موبايله لأشحنه له من فيشة العيادة و مضى إلى خدمته, نظرت إلى الشاشة التي كان مكتوبا عليها كخلفية بسيطة عبارة واحدة : " مفيش آسف ؟", شغلت ذهني العبارة لفترة طويلة, فكرت في صاحب الموبايل, الجندي الصعيدي النحيل الذي يمد لي يده خَجِلا من مدّ يده , كل ثلاثة أيام بجهازه المحمول المهرّب سرا إلى داخل الوحدة العسكرية, لأشحن بطاريته, كانت عبارة محيّرة و غير مألوفة على شاشات الموبايلات التي تتابع يوميا على فيشة نقطة الوحدة الطبية , المخبأ الآمن للشحن , "مفيش آسف ؟" , هذا السؤال المعلّق في الفراغ لحين ردّه إلى وجهة ما, سؤال غريب و موجع , استكثرت كثافته الشعرية على ذهن المجنّد , حين عاد سألته , فابتسم و لم يعلّق, كان يظنني أسخر على نحو عابر, أعدت سؤالي: يعني إيه "مفيش آسف" ؟ , أجاب مبتسما في حيرة: يعني مفيش آسف , " أيوه يعني إنت بتسأل مين ؟" ," مش بسأل حدّ ", كنا مبتسمين , لكنني حين سألته : طب مفيش آسف على إيه ؟, أجاب بوجه غائم : على كل حاجة يا بيه...على كل حاجة , ثم غادر..


12 March 2010

استعادة





كلما أردتُ استعادة أسعد لحظات حياتي على نحو بطئ, عندما أكون في حاجة ماسّة إلى ذلك, أثناء طابور الصباح الممل الطويل في وحدتي العسكرية, في الليالي المملة في غرفتي المستقلة كطبيب الوحدة التي تمرّ علي من حين لآخر فارغة من أدنى رغبة في القراءة أو السماع, في الأيام القاسية المحوطة باختيارات و إلتزامات و إحباطات , كلما فكرت في هذه اللحظات التي تمنيت كل مرة أن تدوم إلى الأبد, كنت دائما ما أستعيد لحظات بعينها : جالسا على مكتبي أفكر في بدأ المذاكرة بينما تنتهي إلي من بعيد ضجة فرح صاخب في الطرف الأخر من الحي , أو في الوضع ذاته و أشرد مع صوت المقرئ في سرادق في شارع مجاور يرن صداه منفردا في الهدوء الليلي , كذلك : استيقاظي من قيلولة العصر , بعد العودة من المدرسة أو الكلية, و خروجي إلى الصالة لأشرب الشاي و انتظر مشاهدة المسلسل أو أي شئ مع أمي و مصطفى و أحيانا عمرو أو : انقطاع الكهرباء قبل المغرب بدقائق و تمددي على السرير أو جلوسي قرب النافذة.
هذه اللحظات دائما ما كنت أعتبرها أثمن لحظات حياتي على نحو غير مفهوم , حينما تطفو على ذاكرتي فجأة أو أستعيدها , فأشعر بالامتنان الغامر لحدوثها في حياتي . حصلت فعلا على لحظات أسعد منها بمراحل بمقياس البهجة المطلق , مع منى و أصدقائي و الأهل, لحظات كبيرة و برّاقة , لكنها على ما يبدو لا تصلح للاستعادة و التلذذ بها ببطء مثل هذه التي حكيت عنها , ربما لأنها لحظات استثنائية و عابرة و مقدّر لها أن تكون استثنائية بذلك , على عكس الأولى : لحظات واسعة و عادية في الحدوث, تبدو فيها الحياة هادئة و سعيدة و أبدية , هل لذلك علاقة بهلعي الدائم من النهايات ؟ , كنت دائما مهشما من النهايات و أعتبرها أقسى ما يمكن أن يحدث على الإطلاق, حتى النهايات البسيطة لأبسط الأشياء, كنزهة في النادي أو زيارة للعائلة , كنت لا أتحمل كل هذه النهايات اليومية لكل الأشياء و الأحداث و اللحظات, أكبت دموعي بشكل عنيف و أنا أرى الأهل يلملمون حاجاتنا لنعود من إلى البيت, كنت أنقبض من طريق العودة إلى البيت , وهو ما يبدو معكوسا هذه المرة , لكنه كان يذكرني بنهايات الأشياء السعيدة, أنا عدو النهايات , طوال عمري ولا زلت , وإن قلّت حدة مشاعري العنيفة تجاهها مع الزمن, فلم أعد أشعر بالفزع المفاجئ أو الرغبة في البكاء أو الوجوم, لماذا إذا لا أشعر بانتهاء هذه اللحظات أو مفارقتها لحياتي رغم أنني لن أعود مرة أخرى إلى نفس الموضع لأذاكر و أسمع صخب الأفراح و السرادقات البعيدة ؟, شيء آخر يجمع كل هذه اللحظات معا, كونها لحظات غير فعّالة في ذاتها, لحظات لا تتحرك نحو شيء, لحظات في انتظار الآتي دون توقعه أو الاستعداد له, لحظات مطمئنة و مشحونة , ممدودة كخاتمة موسيقية هادئة ممتعة تماما , أعرف أنها ستتلاشى , و لكنها قابلة للاستمرار إلى الأبد دون أن يبدو ذلك مملا أو غير فنيّ, منذ حوالي شهر أحاول كتابة قصيدة بهذا المعنى, إلى أن قررت أن أكتب ذلك لأنني أبدا لن أستطيع ضمّ هذه اللحظات و احتواء أبعادها في علبة عمل فني , قد يوحي بذلك , بانتهائها أو تجاوزها, أنا بعد لم أتجاوزها لأكتب عنها فعليا أو كما يرضيني تجاهها, أنا فقط فعلت ذلك لأنني أفكر فيها و أريد استعادتها ببشاعة هذه الأيام...