17 February 2010

ليه كده يا داوود ؟

أعترف أنني ذهبت بمزاج مستسلم تماما للاستمتاع إلى "رسائل البحر", و توقعت أن داوود عبد السيد سيفعلها هذه المرة بشكل أكثر احترافية, لكن للأسف, حاولت أكثر من مرة أن أنفي عدم استمتاعي بالفيلم وأفكر أنه ربما يكون هناك المزيد خلال التقدم أكثر في أحداثه , إلا أنه لم يكن هناك أي مزيد, لم يكن هناك أكثر من الصورة الناعمة و المونتاج المتقن , فالفيلم من بدايته إلى نهايته يدور في أجواء برجوازية ناعمة و دافئة, رومانتيكية إلى حد ممل, ومنفصلة عن واقعها تماما, وهو ما قد يبدو جذابا للبعض, هذا الإنفصال المجافي للواقعية على نحو مخدّر, إلا إنه يشعرني بغثيان مشابه لتأمل لوحات غرف النوم و الصالون الشهيرة. درامات و صعبانيات إنسانية على النحو الذي سئمت منه شخصيا عبر قصص و قصائد و أفلام تصدّر هذه النوستالجيا للأجواء البرجوازية المصرية في الخمسينيات و الستينيات سواء في القاهرة , أو في الإسكندرية هذه المرة, التي بدت أقرب كثيرا لمدينة أوروبية منها إلى اسكندرية الآن, بتصدير الفيلم لتواصل بطله مع أفراد الجالية الإيطالية في بيوت ذات مدافئ و معمار أوروبي و ذكريات دافئة حميمة عن البحر و ماما و بابا و أيام الطفولة, حيوات ناعمة تماما و مسترخية بلا منغصات أبعد من البحث عن راحة الذوات المعذبة , التي تتقاطع معها أحيانا حيوات ذات ملامح حقيقية, لكن دون جدوى, يظل الفيلم دائرا في جو رومانتيكي ممل و رتيب ,على الرغم من المشاهد الممتعة التي تظهر من فترة لأخرى على نحو أقرب لمشهد شعري محض منه إلى مشهد في سياق درامي تدفع شعريته بالمزيد إلى المعنى, كالمشهد الختامي أو مشهد هروب "قابيل" من المستشفى أو مشهد تلقين "قابيل" ذكرياته لبيسة لتعاود تذكيره بها بعد أن يفقد ذاكرته في العملية ,ناهيك عن أنك تشعر بالفيلم دائرا في زمن آخر, , زمن الجدّات و الأجداد في الإسكندرية القديمة رغم محاولته المستميتة لحشر زمن أحداثه في الحاضر, ثم الأحداث العجيبة و الكارتونية كمشهد دعوة بسمة لآسر ياسين كي يشاركها المشي تحت المظلة في المطر, أو المشهد المبتذل عالميا: القفز فجأة في البحر بالملابس الداخلية بعد خلع الملابس على القارب, إجمالا لم يكن هناك أي مفاجئات أو مبهجات سوى أداء ياسر ياسين الناضح تماما, فيما عدا ذلك خيبات متتابعة من حبكات مكشوفة و حيل مستهلكة محليا و عالميا لصنع قصة ما , يمكنني أن أقول براحة ضمير أن ما شاهدته اليوم لم يكن أكثر من فيلم ضعيف و غير متماسك و ممل إلى حد بعيد, للأسف .

12 February 2010

الصلف




في العام الماضي و أثناء الحساب على مجموعة من الكتب في جناح دار الشروق بمعرض الكتاب , لاحظت أن موظفة الكاشيير تعاملني بضيق و نفاد صبر : "عايزة فكة" , "خد الفاتورة" , وحين قلت لها إني مستعجل, " لا, لازم تاخدها " , تعاملت مع صلف موظفة الشروق بنوع من الخفة, أو كنت في مزاج غير مناسب لتعكيره لأي سبب, هذا العام كنت مصاب بصداع شنيع و مرهق حين اشتريت من جناح الشروق كتابا و توجهت إلى الكاشيير , و للمرة الثانية أجد في مواجهتي موظفة كاشيير من طراز زميلتها السابقة في العام الماضي , طراز خريجي الجامعات الأجنبية الأنيقين وراء الماكينات , الذين تشعر في مواجهتهم بالتفضل الكبير الذي يسديه إليك بمجرد مبالاته الضئيلة و الجافة بمعاملتك في مقر عمله الذي يأكل منه عيش و الذي تتكبد إدارته رواتب ضخمة ليجلب هؤلاء الموظفين المختارين بعناية لخدمة الجمهور على أفضل وجه ممكن في معرض الكتاب و منافذ البيع, لم أكن الوحيد الذي يلاحظ سوء الخدمة في جناح الشروق في معرض الكتاب و المعاملة المتكبرة لموظفيه المتعجرفين على الكاشيير , دون أن يتعلق الأمر بضغط العمل أو كثافة العملاء, هناك لهجة غير ودودة تماما في إبلاغك بالسعر أو طلب الفكة أو إلقاء الفاتورة إليك على نحو يذكرك بمنافذ البيع الحكومية للكتب , للمرة الثانية أجدني في مواجهة موظفة نافدة الصبر تعاملني بضيق و صلف : عايزة فكة, أجبتها بهدوء: للأسف مش معايا فكة , التفتت إلى عميل آخر بسرعة يبدو أنها كانت قد أرسلته هو الآخر ليبحث لها عن فكة ثم عادت إليّ :فكّة..قلت لك عايزة فكة ؟
_ قلت لك مش معايا فكة
= طيب و بعدين ؟
- و بعدين إيه..أمشي يعني ولا إيه ؟
عاملتها بنفس الصلف , صلف العميل المدرك لحقه في معاملتها على نحو بارد و حيادي تماما , لا يهمه إرهاقها الواضح من العمل الطويل في المعرض , ولا مهتم بمشكلاتها مع الفكة , لأنها مشكلتها هي في المقام الأول وليس لديه أي استعداد لإبداء أي مساعدات تجاه موظفة الكاشيير الأنيقة الجميلة المختارة على الفرّازة التي تعامل العملاء بصلف لا يبرره مقر عملها الفخم ولا زيها الفاخر ولا هيئتها الدالة على طبقة إجتماعية مميزة , بتكدير واضح اضطرت إلى أن تبحث هي عن الفكة هنا و هناك ثم عادت إلي لتحاول تنفيس غضبها في العميل الذي لا تبدو عليها أمارات كبيرة للصلف في مظهره العادي كشاب عشريني عادي تماما, مدت إلي يدها بالنقود ثم قالت لي بلهجة آمرة: استنى خد الفاتورة .
لم أضع وقتا
= إنتي بتتكلمي كده ليه..إتكلمي كويس
انتبهت في ذهول ثم صمتت تماما وقد أدركت موقفها الحقيقي كموظفة في خدمة العملاء تتلقى الآن ردة فعل سلبية تماما من العميل المفترض مغادرته مبتسما و سعيدا تماما ,وضعت الفاتورة على الطاولة أمامي في صمت متجاهِل , تناولت كتابي و الفاتورة ثم دخلت مباشرة إلى كابينة إدارة الجناح, أخبرت المديرة بغضب أنني أريد إبلاغها بمدى سوء المعاملة و قلة الذوق الذي أعاني منه سنويا في جناح الدار بالمعرض , فاعتذرت لي بشدة و أصرّت أن أرافقها إلى الموظفة المعنية , فأخبرتها بمكانها على الكاشيير و برغبتي في المغادرة فورا لأنني لم أكن أحتاج إلى أي أعتذارات أو مواجهات لرد الإعتبار , ثم انصرفت بينما كانت تتجه مديرة الجناح إلى الموظفة بخطوات غاضبة سريعة ..
أتمنى أن تعاني الموظفة قليلا من صلف رؤسائها , أصحاب الإمتياز هذه المرة , لتتعلم فيما بعد أن ترى في كل عميل مشتكٍ مفترض إن لم تكلف نفسها عناء خدمته بابتسامة , أو تترك مهنة معاملة الجمهور و تتفرغ لمهنة توفر لها صلفا كافيا ..

04 February 2010

كل أحذيته ضيقة






في إحدى المرات قلت لزنجي أنني اعتقد أنه الآن هناك من يكتبون شعرا و نثرا , دون أن يكونوا مُلاحَظين تماما, شبّهت الأمر بالكتابة في أنفاق تحت الأرض,كتابة دؤوبة مستمرة دون ضجيج, بلا دعاية ولا نشر, و أنه كل فترة يحدث أن يخرج واحد من هؤلاء إلى السطح, بعد أن يكون أقرانه_ سواء سناً أو أسلوباً _ قد حققوا نجاحات مختلفة في النشر و التوزيع و التحقق, ليكتشف الجميع أن الأفضل فعلا هو ما لم يأتِ بعد, و أنهم صفقوا بحرارة لأعمال كانت تستحق تحية تشجيع خفيفة و نصيحة بمواصلة العمل الجاد و التركيز الفنيّ الشديد, مقارنة بالأعمال التي يخرج بها كل فترة واحد من هؤلاء المغمورين في الأنفاق التحتية إلى الشوارع, فيلتفت إليهم الجميع .

هذا ما تذكرته على الفور وأنا أقرأ " كل أحذيتي ضيقة" لعادل أسعد الميري , الصادرة عن دار ميريت منذ أسابيع قليلة,و التي صنّفها على الغلاف تحت بند " اعترافات " ,وعلى مايبدو فإن"عادل الميري " في نفس سن بطل "اعترافاته", في الستين من عمره, وهو ما جعلني متحفزّا تماما لقراءة عمليه السابقين على هذا العمل النثري الطويل,وهما : "تسكع" و "تأملات جوّال في المدن و الأحوال", ذلك أن هذه الإعترافات كانت فعليا أفضل ما قرأت منذ فترة طويلة بالنسبة للأعمال السردية, فترة طويلة جدا, لدرجة جعلتني أفكر فيما كان يستحقه "عادل الميري" لو كان قد قدّم عمله هذا مبكّرا قليلا, لينال حقه ككاتب شاب أو في منتصف العمر, له نصيب في سبوبة أدب الشباب الرائجة حاليا, فعمله لم يكن ينطوِ فقط على متعة وقتية بقراءة الكتاب, أو مجرد صدق موجِع _كما وصف لي صديق في معرض الكتاب حين سألته عنه _ بل عمل فنيّ متقن و سلس إلى درجة مذهلة في أسلوبه و انتقالاته, أسلوب من يكتب فعليا منذ فترة طويلة و بحرفية عالية, مجدول بعناية على مدى أكثر من مائتي صفحة, دون مطّ أو أكروبات للفت الإنتباه, أتوقع لـ" كل أحذيتي ضيقة" نجاحا كبيرا, و إن كنت لم أعد أثق في معايير النجاح الأدبي الكبير في أغلب أشكاله, سواء توزيعا للنسخ أو فوزا بالجوائز أو الترحيب النقدي, فقد سبق أن رأي الواحد أعمالا رديئة و ساذجة توزّع و تبيع و تفوز و يكتب عنها كبار النقاد, ولا أعرف حقيقة ما هو المعيار الحقيقي لنجاح عمل ما , سوى أن يهتمّ به قارئ أو يمتعه أو يفكرّ فيه طويلا على مدار قراءته و بعد إنهاء صفحته الأخيرة, آلاف الأعمال الأدبية الرائعة اكتشفت أنني لم أسمع بها من قبل ولا يعرف عنها الكثير شيئا, لهذا لن آسف إن لم يلتفت أحد إلى كتاب "عادل الميري" و إن كنت اعتقد أنه هو الآخر ربما لا يعنيه ذلك كثيرا أو هكذا يبدو, تحية أخيرة للآنسة "سوسن" التي تعلّقت بالكتاب أثناء جولتنا في المعرض في جناح دار ميريت, على نحو مبهم, بعد أن كنا قد حددنا العناوين الجديدة التي ننوي شرائها, سواء لأسماء معروفة أو بسبب تزكية سابقة, فتسبب حدسها الشخصي تجاه الكتاب في متعة بالغة لي على مدار أربعة أيام في وحدتي العسكرية قضيتهم مستمعا بإخلاص لإعترافات السيد "عادل أسعد الميري" , تحية لـ "عادل أسعد الميري " .