18 March 2009

عن القصيدة الخرساء





منذ أسابيع صدر للشاعر الكبير , السيد: أحمد عبد المعطي حجازي , كتابا أنيقا عن سلسلة " كتاب دبي " عَنْوَنه كالتالي : "قصيدة النثر, أو القصيدة الخرساء " , و أهداه إلى " شعراء الأجيال القادمة على اختلاف إجتهاداتهم و مراميهم " , و بالتالي لم يكن أمام هؤلاء الشعراء إلا أن يقرأوه بعناية فائقة و بحساسية خاصة تليق بكتاب عن الشعر كتبه شاعر كبير . أما عمّا يمكن فعله في الحقيقة إزاء عمل نقديّ كهذا فلن يكون أكثر من تسجيل الملاحظات البسيطة :


1_ سوء تفاهم كبير..


الملاحظة الأولى في الواقع تتعلق بوجود سوء تفاهم كبير بطول الكتاب , لا يمكن تجاهله أو حتى التظاهر بعدم وجوده , بين الشاعر الكبير و شعراء قصيدة النثر , إلى الحد الذي يدفعني إلى افتراض أن حلّ سوء الفهم هذا كان سيوفّر على حجازي ربما كتابة ثلث أو نصف كتابه , الذي يشير فيه حجازي أكثر من مرة إلى رغبة شعراء قصيدة النثر في احتكار المشهد الشعري ّ كاملا و إقصاء القصيدة الموزونة تماما لحساب قصيدة النثر الجديدة , يقول حجازي : " باستطاعتنا أن نقول أن الشعراء الشعراء الفرنسيين نجحوا في كتابة قصيدة النثر لأنهم لم يسعوا إلى إحلالها محل القصيدة الموزونة كما يحاول بعضهم أن يفعل عندنا " صـ 45 , و يقول أيضا : " فإذا كانت ظهرت محاولات لكتابة شعر بغير وزن فنجحت أحيانا و فشلت أحيانا , فلن يغير نجاحها هذا من القانون شيئا , و لن يقنعنا بأن التراث الشعري كله باطل و أن الشعر لم يتحقق إلا الآن " ص 59 , فقط كل ما أريد أن أقوله أنه يمكن للشاعر الكبير أن يستوقف أي "شاعر نثر " في الطريق ثم يسأله بصرامة عن رأيه في القصيدة الموزونة وفي تراثنا الشعري العظيم , لا أتوقع إجابة أكثر تفصيلا مما قتل قولا و بحثا و تلميحا في مقالات و كتابات بل و قصائد شعراء النثر , من أنهم أبدا لا ينكرون أهمية ولا جماليات القصائد الموزونة ولا عمق و شاعرية تراثنا الطويل بل وربما يزيد أحدهم أنه ما كتب قصيدة النثر إلا بعد أن كتب و أجاد في العمودي و التفعيلة و اطلع على أشعار الأقدمين و الملعقات حفظا و دراسة , مما يمنحه الشرعية الشعرية لكتابة أي شئ بعد ذلك .

لا أفهم في الحقيقة كيف يرى حجازي أن أنصار قصيدة النثر يحاولون إحلالها بديلا حصريا عن قصيدة الوزن , هل منعوا شعراء قصيدة الوزن مثلا من المشاركة في مؤتمر الشعر الرسمي في الأوبرا العام الماضي فأقام شعراء الوزن مؤتمرا بديلا يفرّجون فيه عن أنفسهم و يلقون أشعارهم ؟ أم يفكر "شعراء النثر السلطويون " هذه الأيام في إقصاء شعراء الوزن مرة أخرى من مؤتمر الشعر المزمع إقامته مارس القادم تحت عنوان " الشعر الآن " , على الرغم من أن موقفا كهذا _إن حدث_ ربما يبدو مقبولا أو مفهوما بناء على ما يؤكده حجازي نفسه من " طغيان قصيدة النثر " مقابل ندرة الموزون في الإنتاج الشعري الآن ...


2_ تسامح عظيم ..


موقف الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي من قصيدة النثر واضح و صريح , هو لا ينكر حق أي أحد في كتابة قصيدة النثر , لكنه في الوقت نفسه يعتبرها شعرا ناقصا , على الرغم من اعترافه ص 44 بأن" قصيدة النثر أنتجت نصوصا جديرة بالقراءة لكنها ورود نادرة في شوك كثير أو حبات ناضجة في حصرم حامض " , و على الرغم من كون النصوص الشعرية الجديرة بالقراءة الآن نادرة كذلك في أشكال الشعر الأخرى كالعمودي و التفعيلة , بل أكثر ندرة في الحقيقة , إلا أن اعتراف الشاعر بنصوص كهذي في "الخرساء" له دلالة أكثر عمقا , وهو أنه هناك إحتمالية ولو بسيطة , لو توفّر لنا عدد غير قليل من الشعراء العظام الذين يقنعون "حجازي " بشرعية قصيدة النثر, أن يتغير رأيه فيها من "شعر ناقص " إلى "شعر كامل النمو " , كما حدث مع قصيدة النثر الفرنسية التي " اكتملت "على يد بودلير و حظيت باعتراف الناس كما يقرر حجازي ص 45 .

ليس هذا فقط , بل حجازي يعلن أنه ليس ضد " النثر " ولا أن تستفيد منه القصيدة , مما يضع شعراء الأجيال القادمة في مأزق حقيقي : نواصل كتابة الخرساء على أمل الوصول بها إلى " نمو كامل " ؟ , أم أنها "خرساء " إلى الأبد لا نفع فيها ؟ أزمة شعراء ؟ أم أزمة أسلوب ؟, هذا ما يبدو ملتبسا قليلا في موقف حجازي من قصيدة النثر..


3_ مأساة الإيقاع ..


قسم كبير من الكتاب , يناقش مسألة الإيقاع , حيث يعلن حجازي بوضوح " الإيقاع هو الشاعر " , مختلفا حول تعريف الإيقاع و مفهومه مع المفكر الكبير محمود أمين العالم , مؤكدا على كون الإيقاع عمودا أساسيا للشعر لا يصلح الأخير بدونه , و ذلك وفقا لتعريفه الخاص للإيقاع الشعري..

و بعيدا عن تفاصيل النقاش العميق و الهام بين الكبيرين "حجازي" و " العالِم " , إلا أنني ارتبكت كثيرا خلال تتبعي لمفهوم حجازي و تصوره عن الإيقاع , فهو يقرر أن " الإيقاع لا يمكن أن يكون وحده دالا على شئ , و إنما يكون نشيطا أو خاملا , يطيئا أو سريعا ...بما تدل عليه الكلمات التي يتجسد فيها " ص 135 , ثم يعود ليستشهد بقول هوراس , ص 145 , الذي يتحدث فيه عن بحور الشعر المختلفة من أن " المقطع الطويل المسبوق بمقطع قصير يدعى إيامبوس , وهو تفعيلة سريعة " , أي أنه يمكن للإيقاع أن يتم وصفه منفردا , معزولا عن محتواه اللفظي , بصفة السرعة أو البطء , كما وصف هوراس البحور الإيامبية , بل كما يصف حجازي نفسه في سياق حديثه عن الإيقاع عموما , ص 163 , "الإيقاعات تختلف سرعة و بطئا و رخاوة و توترا "..!

و دون شك , قد تتفاوت الإيقاعات سرعة و بطئا , إلا أن ما قرره حجازي أولا من قدرة الشاعر على خلق "الإيقاع الخاص " في قالب ثابت منتظم و يمكن التعبير عنه بوحدة زمنية ثابتة : " البحر الشعري " , و دلل عليه بالتفاوت الواضح بين إيقاعي بيتين على نفس البحر أحدهما لإمرئ القيس و الأخر لأبو نواس , كل ذلك في النهاية لا يؤكد إلا ما ظل " العالِم " يشير إليه في ردوده الطويلة على حجازي من إمكانية وجود "إيقاع خاص " في معزل من الإنتظام الزمني , بالضبط كما تمكن كلا من إمرؤ القيس و أبو نواس من فرض إيقاعا خاصا مختلفا على وحدة زمنية ثابتة " بحر الطويل " , فقط عبر الأسلوب و اللغة الشعرية الموحية . وهو الأساس الذي تقوم عليه فكرة الإيقاع في قصيدة النثر .


4_ من ذا يكررني ؟!


يلوم " حجازي " المفكر " محمود أمين العالم " على تعبيره عن إيقاعات بحور الشعر العربية بصفات كالبطء و الجمود و النمطية , و هو ما تنطلق منه فكرة البحث عن أساليب و أشكال جديدة للتعبير , أنسب لموضوعات الشعر الجديدة و لهجته المختلفة , إلا أننا نجد الشاعر " حسن طلب " , في معرض مؤازرته لحجازي في رسالته المنشورة في نهاية الكتاب , يصف نفس البحور بالـ "رتابة الإيقاعية " فيقول على سبيل المثال : " ولعل قصيدة التفعيلة , و قد نجحت في أن تحرر الشعراء أخيرا من رتابة هذه البحور , تجسد آخر حلقة في سلسلة من المحاولات ذات تاريخ طويل " , أي أن وصف بحور الشعر العربي بالرتابة الإيقاعية ليس مقصورا فقط على أنصار قصيدة النثر , بل كانت "التفعيلة " , التي كان حجازي أحد روادها الأوائل , ثورة على هذه الرتابة و تحطيما لها بحثا عن أسلوب جديد يناسب روحا جديدة , بالضبط كما يقول في قصيدته التي هجا فيها " العقّاد " و موقفه المتصلّب من " شعراء التفعيلة " :


تعيش في عصرنا ضيفا و تشتمنا....أنّا بإيقاعه نشدو و نطربه


" حجازي " يعلن في كتابه : "شرف لا أدعيه و تهمة لا أنكرها ", و ذلك بشأن الحديث عن تكراره لموقف العقاّد من التفعيلة مع شعراء قصيدة بل و يضيف : " إن الموقفين متشابهان لكنهما غير متطابقين " و " لنفرض أني أكرر العقاد , فمن ذا الذي يكررني "...

فأما عن التشابه فيكفي أن نعرف أن " العقّاد " تسبب في إقصاء شعراء التفعيلة : " حجازي " و " صلاح عبد الصبور " عام 1961 من مهرجان الشعر الذي يقيمه " المجلس الأعلى للفنون و الآداب " في دمشق , و أما عن التكرار فنتمنى ألا يكرر شعراؤنا المستقبليون الكبار أي أحد , فالأمور دائما قد لا تسير في الإتجاه الصحيح , مما كان قد يعني ربما افتقادنا لتطوّر شعري هام كالتفعيلة .




نُشر في البديل