19 January 2009

ماذا يتوقع الناس من " تامر " ؟








لو جمّعنا بدأب أهمّ مميزات الـ Pop stars التي تمنحهم شهرتهم الحقيقية , يمكننا إذن أن نتحدث عن : إنفلات , الخروج عن السائد , انحراف ما ينسج حولهم كل ما يحتاجه نجم البوب من ضجة و إثارة و ظهور متتالٍ على صفحات الجرائد..

كيف يتصوّر الجمهور أن على البوب ستار " تامر حسني " أن يتصرف ؟

يصلي الفجر _ يغني كلمات مهذّبة _ يطلق لحيته _ يعتزل النساء _ يعتذر عن الحفلات الصاخبة _ يغني باتزان و ثقل...إلخ

كل هذا يناسب "إيمان البحر درويش " أو " علي الحجار" أصحاب رسالة الفن الحقيقي و الفن الهادف , أما " تامر " فهو الحقيقة نموذج لما يجب أن يتصوّره الناس عن البوب ستار , الولد موهوب , بدأ الطريق من أولّه و صنع لنفسه اسما , أيضا كوّن عن طريق ألحانه الخفيفة و كلماته السهلة جمهورا ضخما لا يمكن الجدال تقريبا حول حجمه , بالإضافة إلى مستمعين بعدد هائل ينتظرون أغانيه منهم أعضاء في مجموعات الفايس بوك التي تلعنه كمخنّث أو "مثال" و " قدوة " رديئة للشباب المصري..

الحقيقي في الموضوع أن " تامر " أخر ما يعنيه هو أن يكون " قدوة " لأي أحد , البوب ستار لم يكن أبدا قدوة أي أحد , على العكس , مهمته الرئيسية أحيانا تتركز في تهشيم و سحل فكرة " القدوة " التي تتعبه هو أساسا..




لذلك فموضوع هروبه من السجن يناسب "تامر " أكثر من تطوعه للمجهود الحربي , يخدمه أو خدمه أكثر بمعنى أصح, غناؤه لمؤخرة زينة يبدو معقولا جدا , لا يفاجئ غير الذين خدعتهم مرواغة " تامر " للجميع بغنائه في مقدمة برنامج لـ عمرو خالد أو حديثه الدائم عن " ربنا " و " أمي " و " يارب " و " مصر " و " أهلي و صحابي " أو فيديو كليب عن " أنا مش عارف أتغيّر " , وهي مرواغة طبيعية , تامر لا يفتعل إطلاقا الحديث عن " ربنا " و " التوبة " و "ربنا يوفقني " , تامر حسني هو ابن مجتمعه الذي يصلي المغرب ثم يخرج ليشاهد بناته يرقصن في فرح شعبي أمام الشارع , الموضوع هو أن بينما يكتفي الناس بتأدية ذلك فإن البوب ستار يبيع , "تامر " بالفطرة ,و دون أن يخطط لذلك فعلا " يتجّه إلى حيث يمكن البيع , خصوصا حين يكون ما يبيع يتوافق في موضوعه مع القدر الطبيعي من النبل في أي إنسان..

أيضا "تامر " باستفزازه الدائم للذكور بما يشبه " التمسّح بالذكورة " في "شعر الصدر " و " عضلات الباي و التراي " بينما يخرج صوته ناعما فتّاكا بالحريم , يمثل أقوى نقاط البوب ستار الليّن الطري الذي يعذّب الحسناوات السذّج بينما يرمقه بحقد مفتولو العضلات و الشوارب ..





أما عن قيمته كفنان , " تامر حسني " قدّم مجموعة من الأغاني و الألحان الجميلة التي يمكن الإستمتاع بها بشكل كبير , المهم هو أنه أبدا لم يقدّم نفسه واعظا أو محاربا عن الفن الهادف حتى لو ظل يثرثر بسذاجة في حواراته عن إخلاصه لذلك , لأن هذه حيلة فطرية أخرى تبيع بشكل جيد..


14 January 2009

أومليتّ








اليوم مررت بتجربة لطيفة جدا , قابلت بالصدفة صديقة أمام مكتبة البلد , كنت متوجها إلى هناك بينما كانت هي نازلة من ندوة هناك..
كان بصحبتها شخص أخر لطيف جدا , تحدثت معه عن جدوى حضور الندوات و الورش الأدبية , ثم عرّفني على شاعر عامية أخبرني بحماس زائد و ابتسامة واسعة أنه منحني 8 من 10 في تصويت الجمهور في مسابقة الساقية الأخيرة التي حصلت فيها على جائزة لجنة التحكيم بينما حصل آخرون على جائزة الإلقاء للجمهور ليلة إعلان النتيجة ..
و رغم أنني في الأحوال العادية أكون ودودا جدا أمام التعليقات الإيجابية تجاهي إلا أنني شعرت بنوع من المجاملة المجانية في لهجة الأخ ,و لا أدرى لمَ تحديدا كنت صريحا أكثر من اللازم هذه المرة وأنا أخبرهم بعد سماع تعليقه أنني فعلا لو كنت حصلت على جائزة الإلقاء للجمهور يومها لكنت رددت إليهم الجائزة و روّحت بيتنا ,استنادا إلى حقيقة واضحة هي أن إلقائي سيء تماما , بل كانت المرة الأولى أو الثانية لي على أقصى تقدير التي ألقي فيها شعرا أمام أي أحد , و ذلك تحت ضغط أنه كان لابد أن يلقي العشرة المرشحون للجائزة أشعارهم قبل إعلان النتيجة
قلت ذلك و أنا مبتسم تماما , لكن الأخ سحبها على صدره و بدأ في تعديل مساره بتبرير أنه فعلا قرر بعد سماع إلقائي تعديل النتيجة إلى 2 من 10 لأن إلقائي كان سيئا و زي الزفت ووو
فكرت للحظة أن أخبره أنه بذلك يكشف عن ابتذال ضخم بالتصويت لشاعر في مسابقة قبل سماع شعره , لكني حينها كنت قد أعطيته ظهري بالكامل , مواجها الصديقة ومتجنبا تماما محاولته المكشوفة ورائي لاستفزازي عقب عدم إمتناني لابتذاله الشخصي , سلمت على الصديقة و صعدت إلى المكتبة ..
بعد ذلك في طريق العودة إلى البيت تذكرت الموقف ففكرت أنني ربما فعلا محق في تجنب الندوات الأدبية, على الأغلب لسوء إلقائي , و ربما لتواجد أنماط مثل الأخ البيضة شاعر العامية أعلاه الذي يسكن بالمناسبة قريبا مني في إمبابة



10 January 2009

ابتسامات القِدّيسين





رغم مهارة إبراهيم فرغلي الروائية الواضحة في "ابتسامات القديسين " , وهي العمل الأول الذي أقرأه له , فإن الرواية لم تشبع المساحة التي كان من المفترض لها أن تملأه في ذهني..
الشخصيات المرسومة بعناية , دون ثرثرة أكثر من اللازم , عن طريق رسم سلويت مميز لكل وجه من وجوه الرواية , و الأسلوب الرشيق و المتماسك , دفعوني إلى إكمالها دون الشعور بالملل أو التراخي في الإيقاع
لكن لا أفهم حقيقة لمَ دخل " إبراهيم " في مساحة غير لازمة إطلاقا من الخيال العلمي بتبرير تحويم روح أحد أبطال الرواية حول الآخرين بأنها سلكت طرقا فضائية أو دخلت في ثقوب سوداء لتعود بالزمن و تتوه في دنيا الناس مرة أخرى ؟
تبرير غريب كاد أن يقضي تماما على استمتاعي برواية أنيقة مثل " ابتسامات القديسين " , أيضا هذه الروح العائدة كانت طول فترة الرواية تقوم بالتحويم مأكدة ً على عودتها الإرادية من اجل هدف ما , ثم لا تقترب الرواية من هذه المنطقة بعد ذلك أو تفاصيل تحقيق الهدف أو القفز حتى لنتائجه , ترك هذه المساحة خاليا ليس ملهما على الإطلاق , ثمة حبكة فضائية تم إختلاقها من أجل هذا الهدف ! , فجوات درامية متعددة في نسيج الرواية مركزها التخاطر الدائم بين توأمين ..
على كل حال
استمتعت بالرواية و أفكر في قراءة المزيد للسيد إبراهيم فرغلي

07 January 2009

لماذا ينجب البشر ؟









في كتابه " عالم منفلت : كيف تعيد العولمة صياغة حياتنا " يراقب أنتوني جيدنز تطوّر فلسفة إنجاب الأطفال التي كانت في الماضي عملية طبيعية و اقتصادية , طبيعية من حيث اتساقها التام مع الطبيعة كنتيجة يومية لغريزة طبيعية في انجذاب الذكور للإناث مع عدم وجود موانع حقيقية للحمل ,و اقتصادية من حيث كون الأطفال عنصر هام في مجموعة العمل في الأرض و الزراعة و النقل و أغلب وسائل كسب العيش , أما الآن _ يقول جيدنز _ فإنجاب الأطفال في المجتمع الحديث يتم فقط كاستجابة لحاجة عاطفية , تلبية للشعور بالأبوة و الرغبة في خلق أسرة سعيدة مثل تلك التي نراها على شاشة التليفزيون أو تعودنا أن نسمع عنها كنموذج مثالي تقليدي للأسرة السعيدة , أي لمجرد الشعور بـ "المتعة " حين نحلل هذه الدوافع و الرغبات لأشكالها الأولى..
الأطفال إذن تحولوا إلى دمى أو ألعاب حيّة تساهم في إفراز أكبر قدر من " الإندورفينز " _ الناقلات الكيميائية في المخ المسببة للسعادة و المتعة _ دون أن يتعلق ذلك بتفكير حقيقي في مصائرهم أو في العالم الذي نحن بصدد أن نقذفهم فيه , هذه الدمى اللطيفة يتم إنتاجها وفقا لآليتين :
_ الإنجاب للاتساق مع تقاليد المجتمع التي تنص على أن الزواج لابد أن يعقبه إنتاج أطفال يدعّم استمرار هذا الارتباط , و كالعادة , لا يفكر الكثيرون في إعادة التفكير في إنجاب الأطفال أو مناقشة ذلك لأن التقاليد دائما ما تبرر أشياء كثيرة على نحو بديهي زائف.

_ الإنجاب للحصول على "سعادة " , وهو ما اتضح وفق آخر بحث نشرته مجلة
BBC focus
أن إنجاب الأطفال يرفع مستوى سعادة الفرد لمدة عامين على الأكثر يعود بعدها الفرد إلى نفس مستوى السعادة الأول قبل إنجاب الأطفال

إذن لماذا ينجب البشر ؟

ربما لتستمر الحياة على الكوكب , وهو ما يبدو لي شيئا بائسا على الإطلاق

لماذا سأنجب ؟

لأنني أرغب في أن يكون هناك نسخ جديدة من "سوسن " , ربما أقل كفاءة لإختلاطها بجيناتي المعطوبة نسبيا , لكن نسخ جديدة من "سوسن" على أي حال جديرة بالحياة أو بجعل الكوكب أكثر مناسبة للحياة ,أو على الأقل لضمان تمرير الجينات الجيدة في هذا الكون إلى البشر البؤساء القادمين بعدنا و الذين أشفق عليهم من الآن .