08 October 2009

الفساء vs محمود عزت



لا أعلم تحديدا ما هوسبب صمتي التام أو الاكتفاء بهز دماغي أو التأمين الميكانيكي على الكلام بأيوه أو آه أو مممم، حين يشرع أحدهم في سرد آرائه الشخصية في الحياة، مثل سائق التاكسي الذي يشرع بحماس في سباب منظمي المظاهرات والثورجية الذين يغلقوا الشوارع، ثم يستمر في إقناعي أنهم شلة صيع ومنحرفين ومتكسّبين من المعارضة إلى آخر الخراء الذي يتعاطاه على القهوة أو ربما في مقر عمله الصباحي، أو جاري في الميكروباص الذي يصرّ، بلزمات إنهاء الكلام الإستفهامية : "مش كده ولا إيه"، "صح ؟ "، " ولا إيه ؟ "، على معرفة رأيي في كون البنات التي تسير في الشارع بجينز أو برمودا أو جيبة قصيرة تستحق ما قد يحدث لها في الطريق من تحرشات محلية بل هي غالبا مرحبة بذلك، أغلب الوقت لا أردّ أو أهزّ دماغي كيفما اتفق أو أصدر أصواتا فارغة مثل مممم أو أها...إلخ، ربما لأنني أعتقد أن ما يقوله الناس في مصر معظم الوقت في الطريق أو للغرباء هوما يمكن أن يندرج تحت تصنيف: فساء العقل اللحظي، total mind fart، وهوعبارة عن مجموعة من الأفكار النمطية الشائعة أو المناسبة لملء الوقت وجذب أطراف الحديث حول مواضيع مثيرة أو فاتحة لشهية الكلام، الذي يصبح أحيانا غاية في حد ذاته بالنسبة لسائق تاكسي ملول أو راكب ميكروباص منتعش الذهن، أي كلام في أي اتجاه، قد ينزل بعده سائق التاكسي للتبول في محطة بنزين فيخبر جاره على المبولة كيف أدّب العيال بتوع المظاهرات ضباط أمن الدولة أو كيف تفرّج المظاهرات عن الشعب بالصراخ في الشوارع ضد أولاد الوسخة، كذلك جاري في الميكروباص حين سيبدأ صديقه على القهوة في التشكيك في شرف فتاة عابرة بالجينز، ربما ينصحه بالتروي في الحكم على الناس الذين لا نعرف ظروفهم ولا أفكارهم ولا أهاليهم وأساليب حياتهم..إلخ، أنا شاهدت عدة مواقف كهذي، لأن فساء العقل اللحظي من فرط خفته لا يمنحك غالبا فرصة تذكر ماذا قلت ولمن ومتى في غمرة تداخل أطياف الفساء المتضادة والمتشابكة حول الموضوع الواحد، قد يكون السبب كذلك هوأنني كثيرا لا أجد في ذهني أي طاقة لنقاش أي أحد حول أية أفكار، مبررا ذلك أنه من المستحيل أن تتوفر لدى أي أحد وبشكل مستمر الطاقة اللازمة للنقاش واستدعاء الأدلة وتفنيد حجج الآخرين، ثم وجدت أن هذه الطاقة لا تتوفر لدي إطلاقا في أي أوقات اليوم أو الشهر أو العام، ولا أعرف إلى الآن في الحقيقة سبب إرهاقي الدائم من الجدال مع أبناء هذا الشعب حول فساءه اللحظي عن الأحوال والأحداث، فشلت في أن أكون المثقف التنويري صاحب الموقف المستعد لفتح باب الحوار مع سلفي مهذب عن حكم الغناء في الإسلام أو سائق التاكسي المنفعل حول جدوى المظاهرات أو صديق متحمس عن قضية فلسطين، رغم اعجابي الكبير بأصحاب مواقف كهذي، الأفكار المرتبة والقناعات الحقيقية حول الأمور، لكن للأسف فشلت في أن أتبنى موقف التغيير عبر الحوار، طرأ على ذهني تساؤل إن كنت سابقا في أي من الأو قات ناجحا في شيء كهذا واستعنت بالذاكرة والمدونة وأشياء أخرى، وسواء كنت أفشل حاليا في ذلك أو لم أعد كذلك، المهم هوأنني أصبحت مستعدا تماما لهز رأسي والتأمين على أي كلام مقابل أن أريح دماغي وينتهي المشوار أو أنزل من الميكروباص أو يغير صديقي الحديث، هل يصنع مني ذلك انسانا غير حقيقي، بمعنى أنني أعيش الحياة بشكل مجتزأ أو غير متكامل؟، أنا أشعر بذلك فعلا ولا يمكنني أن أنفيه، كثيرا ما أجد نفسي أعلن عدة آراء بشأن الموضوع الواحد، باختلاف المزاج والأمور والمتحدثين، هل يعتبر ذلك خللا ما؟


أحيانا أيضا لا أكون مرهقا وأعي تماما أن محدثي يعتقد في رأيه بنسبة كبيرة، لكن ذلك لا يغير من رد فعلي كثيرا، فقط أخبره مرة أو مرتين أنني أختلف معه بشأن كذا أو كذا لكنني فعليا لا تكون لدي أي رغبة في النقاش أو محأو لة تغيير نظرته للأمور، بدأت أعتقد أنني في أعماقي قد لا أثق في ما يمكن تسميته التغيير عبر النقاش، وبدات أحلل قناعتي هذه بشكل نقدي لأنه هناك من يقول أن النقاش يفتح الآفاق ويثري المعرفة ويفعل الأفاعيل، نقاش كهذا قد يحدث مرة أو مرتين في العام بالنسبة لي، لا يكون نقاشا بقدر ما يكون أسئلة وأجوبة وتبادل آراء مجرد مع مجموعة محددة ممن أثق في رؤيتهم حول الأمور، هل هذا هو كل شيء ؟

على الناحية الأخرى بعض الأو قات أجد نفسي غريبا عن الحالة السابقة، متورطا في نوع من الجدال الفارغ، الذي لا أقرر له إطلاقا ولا يبدأه شيء ولا أفكر في بدايته أنني مقبل الآن على فساء عقلي من زميل أو ثرثرة غير مبررة من صديق، أجد نفسي في وسط الجدال وأنا أحاول بكل وسعي إثبات صحة كلامي لدرجة الإنفعال، وحين أدرك ذلك أتمنى أن تحدث المنحة الإلهية : ينكشف لي في الهواء زر الخواء اللانهائي الذي يمسح هذه اللحظة وأعود إلى لحظة ما قبل هذا الجدال وأقرر عدم خوضه من الأساس، طيب هل أنا شخص غير مهتم بالأفكار أساسا؟ وأعني بالأفكار: الاهتمام بالقناعات والثوابت ونقاط الإنطلاق، أعتقد أنني كذلك، أنا مهتم ببعض الأشياء التي لا أستطيع تحديدها حاليا، طيب هل ينسحب هذا الكلام ليشمل الكلام المكتوب، أحيانا فعلا أشعر بذلك ولكني أعرف أنني أتناول المكتوب بجدية أكثر من المنطوق، يمكنني التحاور حينها عبر الماسنجر مع نفس سائق التاكسي فيعاودني حلم المثقف التنويري وأتحمس لنقاش عقلاني طويل، لهذا أفكر أنه من الممكن أن يكون سبب عدم تفاعلي مع الفساء العقلي اللحظي المتشعب هوتلك الطاقة النفسية اللازمة لاختيار الكلمات واعتبار الحالة النفسية للمتلقي واحترام ثقافته وأحاسيسه وطول المشوار والأجرة المفترضة والشجار المتوقع بعد النزول..إلخ، أعرف كثيرين لديهم القدرة على مجاراة الأحاديث اليومية بشكل ثابت ومستمر، يستدعي ذلك صفاء ذهني كبير في رأيي، أو طاقة ما أو التزام ما، وبما أنني أعتبر نفسي شخصا نادرا ما ينال صفاءه الذهني ويشعر باستنفاد دائم لطاقته دون مبررات وغير ملتزم تماما تجاه أية أفكار أو آراء باستثناء واحدة هنا أو هناك أمارس بشأنهم فساء عقليا مع الآخرين من حين لآخر، فأنني أمنح الآخرين متعة الفساء المستمر المرتاح في براح الشوارع دون استياء، من الصعب إفساد متعة كهذي على آخرين يبدوأنهم يستمتعون بها بشكل ما، ويبدون كذلك قابلين لفهم آراء حقيقية حين يُصادف فساؤهم، لسوء الحظ أو المزاج، أحد القادرين على التغيير عبر النقاش.

3 comments:

Anonymous said...

آه أنا كمان كدا

أنا مين ؟ مش مهم

بس بجد ... كتير بتقول واحده قدامي كلام مش مقتنعه بحرف منه ... وباقعد
اهزلها راسي وعلى وشه بصه فارغه

وخصوصاااااااا مع الناس اللي دماغها جزمه قديمه

يعني م الاخر ... طز .. مش ضروري الكل يفكر زيي


من زاويه اخرى

مره واحده عايزه تقنعني بحاجه مش ممكن اقتنع بيها وعارفه كويس اني أصلا ضد الفكره

قولتلها من اولها .. تقنعيني ليه ؟ كفايا ع الدنيا انك فيها ... كتير عليها تبقو اتنين

ههههههههه

Anonymous said...

بس نسيت اكتب

"momental" كلمة "لحظي" هي

"total" مش



ومن غير "ولا إيه" هههههههههههه


سلام

كلام وخلاص said...

افترض ان كلامك يشمل في طياته فئة واسعة
فانا ايضا بدأت اعتقد انني غير مؤمنة في جدوى التغيير بالنقاش الفكرة ببساطة لوجود ثقافة عامة من التعصب و الاعتزاز المرضي بالآراء الشخصية و اعتبارها حدود كرامة و اى محاولة نقاش او نفاذ تنقلب لمعارك كلامية عشوائية هدفها أن تنال من محدثك و تعلى عليه درجات باثبات انك اكثر مرحا منه و فهما للامور ....القناعات لديهم اقرب لفولاذ نصدم عقولنا به نحتاج كما في فيلم
fight club
لمادة مذيبة قوية نستخدمها كتايلر نهدد بقائهم او نشغلهم عن قناعاتهم بالألم ليسمعوا فقط يسمعوا حينها يمكننا أن نأمل في التغيير
:
:
انا ايضا اشعر انه يتم استهلاكي بصورة يومية في محادثات غير مجدية متكررة لا محور حقيقي لما نقول اعادة لاحداث الامس تأكيد على السخط المستمر مما يحدث و الاتفاق على الاكتئاب الجماعي .....حسنا لا أحد يريد تخطي ذلك ....انشغل بالقراءة و او السمع في الام بي ثري فاصير اكثر عزلة
السؤال المهم في علاج للتخلص من هذا الفراغ ؟؟؟ أو علاج اخر لتقبله ؟