25 November 2009

أهواك





في الخُنّ أو شقة مصطفى صابر بالمنيل و بعد نبطشية 24 ساعة في قصر العيني , كنت مستلقيا على السرير الكبير بجوار الكمبيوتر بينما صابر منشغلا على الجهاز بما لا أعرفه , يدوّي في الغرفة صوت عبد الحليم حافظ, كنت قد طلبت منه أن يشغّل أي أغنية حديثة لعدة أسباب , منها أنني لم أكن يوما من محبي عبد الحليم ولا من متذوقي أغانيه الطافحة بالحب , إلا أنني هذه المرة صمتّ تماما و انصتّ إلى الأغنية كاملةً ,كان عبد الحليم يغني "أهواك" و لكن ببؤس كامل هذه المرة, بالطريقة المناسبة تماما لأغنية كهذي, لا كما سمعتها فيما بعد في تسجيلات أخرى بإيقاع سريع و صوت جزل, بل ببطء تام و صوت منطفئ تعيس, صوت يائس, تسجيل لإحدى حفلاته المتأخرة ربما,لكن عبد الحليم مزقّ قلبي فعليا هذه المرة,هذا التسجيل تحديدا للأغنية لم يكن فيه تصفيق أو انفعال من الجمهور الحاضر , كانت الفواصل الموسيقية الشهيرة تتم كاملة في هدوء جليل بما ينبغي لها من حزن أصلي غير مخلوط بأي ابتهاج جماهيري , تسجيل نادر لقطعة خالصة من الحزن, إلى الآن لم أعثر على هذا التسجيل , نسيت أن آخذه من مصطفى و أخشى أن أسأله فيخبرني أنه لا يجده أو فقده أو أي شئ , لأنني سأحزن كثيرا...

18 October 2009

إنه الكَفَحْت




عزيزي شاب التجنيد, حان الوقت لتعرف سر تفوق العنصر البشري المصري على مر الأزمان و العصور, السر الذي أبقى أسلافك و سيبقيك حيا في أعتى الظروف النفسية و المناخية و الصحية, السر الذي يتوارثه المصريون جيلا بعد جيلا, في الجينات, في التراث الشفهي و الرسمي و المخبوء, عزيزي شاب التجنيد, إنه " الكفَحْت"..

اللفظة التي حار الجميع في تحديدها , بدءا من جمال حمدان وصولا إلى جلال أمين, اللفظة التي تشير إلى العنصر المصري الأساس, الجوهر الأصلي في عمق المصري الحي, الدمغة المصرية على الجينات,عزيز شاب التجنيد, إنها "الكفَحْت"..

والآن , عزيزي شاب المقبل على الإنضمام إلى الجيش المصري , هنا فقط سيمكنك التعرف و بشكل تفصيلي على "الكفحت ", العنصر الرئيس المكوّن للهوية المصرية , بدءا من إجراءات إنهاءك لأوراقك الرسمية و معاناتك البسيطة أمام "الكفحت" المصري الأصيل المسئول عن إنهاء جميع معاملاتك و أوراقك العسكرية, وصولا إلى مستويات أعلى و أرقى من الكفحت في باقي مراحل تجنيدك, يتضمن ذلك احتكاكك المستمر و المتتالي بالكفحت الخام القادم من جميع الأقاليم المصرية إلى مناطق التجنيد, فتندهش و تحوقل و تسبّح حين تقابل "الكفحت" هكذا وجها لوجه, عاريا مما قد يشوبه من تهذيب أو تشذيب أو إخفاء, أصيلا نقيا وافرا كثيفا, متمثلا في شاب التجنيد الذي يأتي إلى المنطقة العسكريا جاهلا اسمه الثلاثي أو تاريخ ميلاده أو ناسيا كل أوراقه الرسمية ماعدا "الترينج" الذي يقسم أن أهل القرية يتعرفون به عليه من على بعد أميال, أو يصر على الحضور للكشف الطبي بالسوالف و الذقن النابتة و الموبايل الصيني المجلجل وعلبة السجائر الـ "كفحت ", لينتهي به الأمر ,إبن الكفحت, مسحولا على بلاط المنطقة التجنيدية, كفحتا من كفحتٍ من كفحتْ .

عزيزي شاب التجنيد, إنما الكفحت حياةٌ كاملة , لا تنفصل عن كونك طبيب أو مهندس أو دبلوم أو عادة, بل كلنا كفحت, من الكفحت , و إلى الكفحت, سواء كنت كفحتاً خاماً أصيلاً أو تحتاج إلى بعض الوقت لتمسح الغبار الذي تراكم على كفحتك المصري الصميم ,فاليوم, بينما كان يخطو المجنّد مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود عزت محمود, إلى منطقة التجنيد لينهي آخر إجراءت ترحيله, عرف أنه قد خطا شوطا كبير نحو الكفحت, ذلك حين اكتشف أنه قد نسي أن يحلق ذقنه النابتة كالعشب البري قبل الخروج,و أمام الصول عبد الغني المسئول عن إعلامه بتفاصيل الترحيل و ميقاته, صاح فيه الصول: روح إحلق ذقنك و تعالى, التفت مجند مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود عزت محمود حوله, فأين يذهب وهو الكفحت الصغير في هذا العالم , أين يمكنه أن يجد ماكينة حلاقة جيليت فيوجن باور و كريم حلاقة إنجرام معطّر و فرشة حلاقة ذيل حصان, و مرآة تسع وجهه الممتلئ اللطيف ثم فوطة ناعمة و أفتر شيف و قبلة على خدوده الناعمة البيضاء من ماما , أين يجد كل هذا..

و هكذا خرج مجند مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود عزت محمود إلى الشارع, و اشترى ماكينة حلاقة " كفحت 13" بجنيه و ربع من كشك "جوهرة الرماية" ثم عاد إلى منطقة التجنيد يجر ساقيه, و داخل دورة المياه وقف الجندي مجند مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود, ممسكا بالشفرة قرب ذقنه المبللة قليلا بالماء, كأنه ينتظر شيئا ما, يحدق في البلاط القيشاني الأبيض أمامه في صمت, لحظات و أسبل جفنيه , جزّ على أسنانه ثم بدأ يحلق ذقنه في بطء و تخشّب, سنتيمترا ثم آخر ثم آخر, إلى أن استيقظ "الكفحت" داخله فجأة, بعثته التجربة من الأعماق , فنهض كالعملاق من تحت الرماد, مندفعا في عروق الرأس و الكف و الأصابع, فاندفع مجند مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود عزت محمود يحلق ذهنه بكل مهارة كالكفحت , بشفرة حلاقة "كفحت 13 " على الناشف و بسرعة 25 سم / ثانية , تتحرك يده في جميع الإتجاهات, نزولا و طلوعا و بزوايا مائلة, إلى أن التفت إلى الكفحت على الحوض المجاور: كفحت ؟, فهزّ الكفحت رأسه مطمئنا : كفحت..

و هكذا , عزيزي شاب التجنيد, عاد مجند مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود عزت محمود منفوخ الصدر حليق الذقن كفحتاً, إلى الصول عبد الغني, الذي ابتسم في فخر بكفحته الصغير مربتا على كتفيه وهو يصرخ: يلا إتحرك على الشباك اللي هناك., و بهذه اللحظات القليلة في عمر الزمن, العظيمة في الكفحت, نال شاب التجنيد مؤهلات عليا خدمات طبية / محمود عزت محمود شرف كفاءة الإنضمام الرسمي إلى الجيش المصري , معلنا بدء صفحة جديدة من التعرف على ذاته المصرية الأصيلة , إنه "الكَفَحْت".






08 October 2009

الفساء vs محمود عزت



لا أعلم تحديدا ما هوسبب صمتي التام أو الاكتفاء بهز دماغي أو التأمين الميكانيكي على الكلام بأيوه أو آه أو مممم، حين يشرع أحدهم في سرد آرائه الشخصية في الحياة، مثل سائق التاكسي الذي يشرع بحماس في سباب منظمي المظاهرات والثورجية الذين يغلقوا الشوارع، ثم يستمر في إقناعي أنهم شلة صيع ومنحرفين ومتكسّبين من المعارضة إلى آخر الخراء الذي يتعاطاه على القهوة أو ربما في مقر عمله الصباحي، أو جاري في الميكروباص الذي يصرّ، بلزمات إنهاء الكلام الإستفهامية : "مش كده ولا إيه"، "صح ؟ "، " ولا إيه ؟ "، على معرفة رأيي في كون البنات التي تسير في الشارع بجينز أو برمودا أو جيبة قصيرة تستحق ما قد يحدث لها في الطريق من تحرشات محلية بل هي غالبا مرحبة بذلك، أغلب الوقت لا أردّ أو أهزّ دماغي كيفما اتفق أو أصدر أصواتا فارغة مثل مممم أو أها...إلخ، ربما لأنني أعتقد أن ما يقوله الناس في مصر معظم الوقت في الطريق أو للغرباء هوما يمكن أن يندرج تحت تصنيف: فساء العقل اللحظي، total mind fart، وهوعبارة عن مجموعة من الأفكار النمطية الشائعة أو المناسبة لملء الوقت وجذب أطراف الحديث حول مواضيع مثيرة أو فاتحة لشهية الكلام، الذي يصبح أحيانا غاية في حد ذاته بالنسبة لسائق تاكسي ملول أو راكب ميكروباص منتعش الذهن، أي كلام في أي اتجاه، قد ينزل بعده سائق التاكسي للتبول في محطة بنزين فيخبر جاره على المبولة كيف أدّب العيال بتوع المظاهرات ضباط أمن الدولة أو كيف تفرّج المظاهرات عن الشعب بالصراخ في الشوارع ضد أولاد الوسخة، كذلك جاري في الميكروباص حين سيبدأ صديقه على القهوة في التشكيك في شرف فتاة عابرة بالجينز، ربما ينصحه بالتروي في الحكم على الناس الذين لا نعرف ظروفهم ولا أفكارهم ولا أهاليهم وأساليب حياتهم..إلخ، أنا شاهدت عدة مواقف كهذي، لأن فساء العقل اللحظي من فرط خفته لا يمنحك غالبا فرصة تذكر ماذا قلت ولمن ومتى في غمرة تداخل أطياف الفساء المتضادة والمتشابكة حول الموضوع الواحد، قد يكون السبب كذلك هوأنني كثيرا لا أجد في ذهني أي طاقة لنقاش أي أحد حول أية أفكار، مبررا ذلك أنه من المستحيل أن تتوفر لدى أي أحد وبشكل مستمر الطاقة اللازمة للنقاش واستدعاء الأدلة وتفنيد حجج الآخرين، ثم وجدت أن هذه الطاقة لا تتوفر لدي إطلاقا في أي أوقات اليوم أو الشهر أو العام، ولا أعرف إلى الآن في الحقيقة سبب إرهاقي الدائم من الجدال مع أبناء هذا الشعب حول فساءه اللحظي عن الأحوال والأحداث، فشلت في أن أكون المثقف التنويري صاحب الموقف المستعد لفتح باب الحوار مع سلفي مهذب عن حكم الغناء في الإسلام أو سائق التاكسي المنفعل حول جدوى المظاهرات أو صديق متحمس عن قضية فلسطين، رغم اعجابي الكبير بأصحاب مواقف كهذي، الأفكار المرتبة والقناعات الحقيقية حول الأمور، لكن للأسف فشلت في أن أتبنى موقف التغيير عبر الحوار، طرأ على ذهني تساؤل إن كنت سابقا في أي من الأو قات ناجحا في شيء كهذا واستعنت بالذاكرة والمدونة وأشياء أخرى، وسواء كنت أفشل حاليا في ذلك أو لم أعد كذلك، المهم هوأنني أصبحت مستعدا تماما لهز رأسي والتأمين على أي كلام مقابل أن أريح دماغي وينتهي المشوار أو أنزل من الميكروباص أو يغير صديقي الحديث، هل يصنع مني ذلك انسانا غير حقيقي، بمعنى أنني أعيش الحياة بشكل مجتزأ أو غير متكامل؟، أنا أشعر بذلك فعلا ولا يمكنني أن أنفيه، كثيرا ما أجد نفسي أعلن عدة آراء بشأن الموضوع الواحد، باختلاف المزاج والأمور والمتحدثين، هل يعتبر ذلك خللا ما؟


أحيانا أيضا لا أكون مرهقا وأعي تماما أن محدثي يعتقد في رأيه بنسبة كبيرة، لكن ذلك لا يغير من رد فعلي كثيرا، فقط أخبره مرة أو مرتين أنني أختلف معه بشأن كذا أو كذا لكنني فعليا لا تكون لدي أي رغبة في النقاش أو محأو لة تغيير نظرته للأمور، بدأت أعتقد أنني في أعماقي قد لا أثق في ما يمكن تسميته التغيير عبر النقاش، وبدات أحلل قناعتي هذه بشكل نقدي لأنه هناك من يقول أن النقاش يفتح الآفاق ويثري المعرفة ويفعل الأفاعيل، نقاش كهذا قد يحدث مرة أو مرتين في العام بالنسبة لي، لا يكون نقاشا بقدر ما يكون أسئلة وأجوبة وتبادل آراء مجرد مع مجموعة محددة ممن أثق في رؤيتهم حول الأمور، هل هذا هو كل شيء ؟

على الناحية الأخرى بعض الأو قات أجد نفسي غريبا عن الحالة السابقة، متورطا في نوع من الجدال الفارغ، الذي لا أقرر له إطلاقا ولا يبدأه شيء ولا أفكر في بدايته أنني مقبل الآن على فساء عقلي من زميل أو ثرثرة غير مبررة من صديق، أجد نفسي في وسط الجدال وأنا أحاول بكل وسعي إثبات صحة كلامي لدرجة الإنفعال، وحين أدرك ذلك أتمنى أن تحدث المنحة الإلهية : ينكشف لي في الهواء زر الخواء اللانهائي الذي يمسح هذه اللحظة وأعود إلى لحظة ما قبل هذا الجدال وأقرر عدم خوضه من الأساس، طيب هل أنا شخص غير مهتم بالأفكار أساسا؟ وأعني بالأفكار: الاهتمام بالقناعات والثوابت ونقاط الإنطلاق، أعتقد أنني كذلك، أنا مهتم ببعض الأشياء التي لا أستطيع تحديدها حاليا، طيب هل ينسحب هذا الكلام ليشمل الكلام المكتوب، أحيانا فعلا أشعر بذلك ولكني أعرف أنني أتناول المكتوب بجدية أكثر من المنطوق، يمكنني التحاور حينها عبر الماسنجر مع نفس سائق التاكسي فيعاودني حلم المثقف التنويري وأتحمس لنقاش عقلاني طويل، لهذا أفكر أنه من الممكن أن يكون سبب عدم تفاعلي مع الفساء العقلي اللحظي المتشعب هوتلك الطاقة النفسية اللازمة لاختيار الكلمات واعتبار الحالة النفسية للمتلقي واحترام ثقافته وأحاسيسه وطول المشوار والأجرة المفترضة والشجار المتوقع بعد النزول..إلخ، أعرف كثيرين لديهم القدرة على مجاراة الأحاديث اليومية بشكل ثابت ومستمر، يستدعي ذلك صفاء ذهني كبير في رأيي، أو طاقة ما أو التزام ما، وبما أنني أعتبر نفسي شخصا نادرا ما ينال صفاءه الذهني ويشعر باستنفاد دائم لطاقته دون مبررات وغير ملتزم تماما تجاه أية أفكار أو آراء باستثناء واحدة هنا أو هناك أمارس بشأنهم فساء عقليا مع الآخرين من حين لآخر، فأنني أمنح الآخرين متعة الفساء المستمر المرتاح في براح الشوارع دون استياء، من الصعب إفساد متعة كهذي على آخرين يبدوأنهم يستمتعون بها بشكل ما، ويبدون كذلك قابلين لفهم آراء حقيقية حين يُصادف فساؤهم، لسوء الحظ أو المزاج، أحد القادرين على التغيير عبر النقاش.

02 October 2009

عن التعرض الكثيف





تعرضتُ لتجربة وحشية خلال الشهور الخمسة الماضية, انتهت بشعور شديد الأسى تجاه أشياء كثيرة, التجربة هي الانضمام إلى فريق إعداد 26 حلقة وثائقية عن مبدعين عرب, يتضمن ذلك البحث في سيرتهم الذاتية و إعداد محتوى الفيلم و تنسيقه و حضور التصوير _إن كان في القاهرة_ ثم تحضير المادة الأرشيفية و متابعة تنفيذه في المونتاج.
التعرض الكثيف للمبدعين يُفقدهم غالبا جزءا كبيرا من هالتهم المستحقّة, ربما أحيانا لأنك تتطلع على أشياء كان يتم حذفها تلقائيا بشكل فني قبل الظهور إلى الناس, أو كانت لا تظهر وحسب, أشياء صغيرة جدا كان من الصعب ألا تظهر حين تقضي يومين كاملين في الحديث و التحرّك مع الفنان بينما ينشغل آخرون بالتقاط المشاهد عن بعد, خلف الكاميرا, يتصادف كذلك أن ينكشف لك عفوا نوع من الضعف غير المقبول فنيا في الحيوات العظيمة التي سبق أن أعجبت بها إلى درجة مبالغ فيها,و بشكل عام, التعرض الكثيف لأي
فنان أو عمل فني كثيرا من قيمته الحقيقية , التي يلزمها أن تختفي قليلا من فترة لأخرى , هذا عن الجانب الأقل إيلاما في الموضوع , لأنه رغم خروجك كل مرة تقريبا بانطباع أقل انبهارا بفن الفنان ذاته ,إلا أنك تواصل التضاؤل التدريجي تحت شعورك بلا قيمتك الفادحة حين يدهمك الشريط المتتابع للحيوات العظيمة المتخمة بالقرارات الشجاعة و غير الاعتيادية ,بالتضحيات المكلِّفة و الأفكار الملهمة و المواقف المهمة و الوسوسة الفنية و الأعمال الفاخرة , فتدرك أن خياراتك في الحياة كانت دائما أقل من العادي و إخلاصك ذاته لن يسفر عن أكثر من متابع جيّد لهؤلاء , الشعور المتضائل بالقيمة لا يشعرك فقط بالأسى تجاه ذاتك , بل يحوّلك إلى شخص جائع يوميا لقرار ما بالتغيير, ذلك لا يشبه الإحساس اليومي بالرغبة في حياة أفضل , بل بالإحساس اليومي باستحالة الوصول إلى هذه الحياة , المشي اليومي في طريق تحوطه التماثيل الإلهية العملاقة يدفعك لا إراديا إلى الرغبة في النحت , و أن تنحت في ذاتك فذلك ما يمكن احتماله في العزلة حين تفكّر أنه بإمكانك التوقف في لحظة ما تخفت فيها حدة المشاهدات على أعصابك , أما النحت في ممشى الآلهة ذاته فتلف روحك تحت إزميلك هو النتيجة المؤكدة .

19 August 2009

الفضيحة في موبايل الجميع


تخيل معي عزيزي القارئ أنك قررت أن تدخل على اليوتيوب لمشاهدة شيء ما فاضل أو غير فاضل ففوجئت أن هناك فيديو على اليوتيوب لـ أختك / بنتك / أمك / خالتك / خطيبتك / زوجتك , بينما ترقص أو تمزح مع صديقاتها بشكل حرّ شويتين أو تتحدث عن أمور عيب , ماذا ستفعل عزيزي القارئ , أو كيف ستتصرف أمام الحرية الكونية التي يتيحها اليوتيوب لمستخدميه في رفع أي شيء للبشرية في ظل وجود المحمول في يد الجميع , حرفيا في يد الجميع, فصديقة أختك التي صورتها بالموبايل بينما تتحدث الأخيرة عن فانتازيا جنسية مثلا بشكل ساخر مع شلة من الصديقات, قد تنسى محمولها في الميكروباص, أو تتركه على الترابيزة بينما يكون إبن خالتها في زيارة عائلية لهم, أو ترسله صديقة أختك بنفسها لأصدقائها أو ترفعه على اليوتيوب بدافع الإنتقام, أو ربما بسيناريوهات أقل بساطة : بنت تصوّر مجموعة من البنات في حفلة حنّة بناتية مغلقة أثناء الرقص الهستيري على أنغام العنب ثم ضاع منها المحمول في التاكسي, هذه كلها احتمالات كبيرة تسببت في وجود ملايين من الفيديوهات متاحة لشعوب العالم رغم أنف أبطالها الأساسيين, منذ أيام أثناء البحث على اليوتيوب بكلمات مفتاحية عادية ,صادفني فيديو عجيب لمجموعة من الفتيات, يشبهن أخوات و خطيبات و صديقات الجميع, في جلسة ودية يتحدثن بنوع من الحرية اللفظية عن الفانتازيا الجنسية لكل منهن كأنهن في برنامج حواري حيث يبدأ بإحداهن تتقمص دور المذيعة تمسك شيئا ما كأنه الميكروفون, المهم ليس محتوى الفيديو _ الذي أعرف أنه الآن تحول إلى مركز اهتمام القرّاء الأفاضل الذين سيبدأون على الأرجح في البحث الحثيث عنه ربما قبل إتمام القراءة_ و إنما التعليقات التي بدا فيها أن معلقّا على الفيديو يستحلف المستخدم الذي رفع الفيديو أن يردّ عليه بسرعة لأن الموضوع يتعلق بالشرف, ضغطت بفضول على اسم المعلق لأجد المأساة التالية :
والد إحدى البنات بالفيديو باللون الأسود
المستخدم رقم واحد باللون الأحمر : رفع الفيديو بريادة
المستخدم رقم 2 باللون الأخضر: نقل عنه الفيديو ببسالة
المستخدم رقم 3 بالأصفر : يحاول المساعدة



هذه هي الحالة الأولى التي أرى بعض تفاصيلها , و كان لدي فضول دائم حول انطباعات من يظهرون في فيديوهات مماثلة أو أكثر مدعاة للفضيحة أو ردود فعل أقاربهم أو معارفهم, كيف سيتصرفون أمام انتهاك خصوصيتهم , التي يبدو أن اليوتيوب لا يكترث بها كثيرا كسبب لحذف المحتوى, و إلا اضطر إلى حذف ملايين الفيديوهات الفاضحة التي تجذب يوميا ملايين المستخدمين و بالتالي مكاسب حقيقية , أحيانا يكتفي اليوتيوب بوضع رسالة تحذيرية قبل عرض الفيديو تفيد أن هذا المحتوى تم التأشير عليه لاحتوائه على ما قد يعتبر غير مناسب لبعض المستخدمين , الموضوع مربك جدا لإدارة اليوتيوب التي سيكون عليها التعامل مع ملايين التأشيرات على فيديوهات يراها البعض مسيئة أو تنتهك حقوقا ما , الأب هنا كونه مستخدم لليوتيوب أدرك أن بنته على وشك الفضيحة , حاول أن يقلل من حجم الخسائر وحسب المحادثة أعلاه في التعليقات يبدو أنه نجح في إقناع أحد ناشري الفيديو ( المستخدم الثاني ) بحذفه بينما يحاول مع المستخدم الأول صاحب السبق, أنا أرى الأمر مفزعا فعلا و يمكن حدوثه رغم اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة, المحمول في يد الجميع و اليوتيوب كذلك و الناس لا تتوقف عن الرقص و الكلام و الرحرحة..
ا

10 August 2009

مانتاش..





"مانتاش عنيد كفاية
ولا عنيف كفاية
ولا حبك بجد
لأنك في النهاية
مانتاش عدو حد.."

________أمين حدّاد




أنا هذا..
حبيب أمه
حبيب أبيه
حبيب حبيبته
حبيب الجيران
لا أعداء
لا أعداء مطلقا
بشكل مثير للشفقة...


بحيث لو سرت أسب الدين في الطريق
سيبستم لي الجميع
لو هشمت نوافذ الشارع
سيتفهّم الجيران


فعلت من الأمور الجيدة ما يكفي
ليتجاهلني الجميع..
حبيب الملايين
الذي لا تضطر أمامه للكذب أو التظاهر
الذي تتجشأ أمامه فجأة
و تلتفت لتعتذر
فتجده وراءك
يتظاهركأن شيئا لم يكن
أو يعتذر هو لك
أو يبكي من أنك الآن
ربما تكون محرجا
أو يخبرك بكل صدق :
لا تعتذر, سأظل أحبك
أو يتجشأ فورا..
لذلك , ربما..
يستمر الجميع في التجشؤ أمامه
دون أن يلتفتوا إلى وجهه
المتأثّر المعذب..




حتى عندما توقف عن لوم نفسه
على أن الناس أحيانا تتجشأ فجأة
و بدأ يكون ضغائن حقيقية
ضغائن تليق برجل
كان يستحق أعداء حقيقيين



لكن للأسف
كان قد فاته قطار العداوة
الذي لن يمر قريبا..
و تركه هكذا
ناعما كالأطفال
بلا خدوش
أو ندوب
يتحسسها كلما احتاج إلى ذلك



منحت الجميع الفرصة
لكي يحبوني جيدا
و لم أمنح نفسي فرصة
لكراهية مفردة
تصنع معنى واحدا



لذلك افتقد إليهم
أعدائي
الأقوياء الآخرين
الذين يكرهونني بعمق
لسبب ما



إذن..
من سألكمُ في الطريق ؟
من سأطوح قبضتي في وجهه
و أنا قادر على البغض
متخلٍ عن كل شيء
من سيردّ لي لكمتي..
يهشّم زجاج الوحدة الملوّن
المنمنم الجميل
الذي يفصلني عن الجميع
من سيمنحني الفرصة
لسهرة وحيدة على النيل
أتلمّس مواضع قبضته على وجهي
أسبّه و ابتسم ..




01 August 2009

فينوس القذرة







venus de milo



مِمّا أضَرّ بأهْلِ العِشْقِ أنّهُمُ هَوَوا وَمَا عَرَفُوا الدّنْيَا وَما فطِنوا

تَفنى عُيُونُهُمُ دَمْعاً وَأنْفُسُهُمْ في إثْرِ كُلّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ



حين أمسك "جيمس" في ظلام الزقاق الضيق بتلابيب "دوريان جراي" في رواية أوسكار وايلد الشهيرة, ورأي وجهه الملائكي الناعم النضر المحميّ من الزمن, لم يصدق "جيمس" أن صاحب وجه كهذا قد يكون سببا في موت أخته "سيبل فان ", لم تكن المسألة فقط أن قاتل أخته كان يجب أن يكون أكبر سنا من هذا الشاب شديد الوسامة المرتعد بينه و بين الجدار, إنما كانت في سطوة الجمال الفادحة التي وقعت عليها عينا "جيمس" فعجز عقله تلقائيا عن الربط المباشر بينها و بين قبح فادح كفعل القتل, ارتخت أصابع "جيمس" القابضة كالكلابات على قميص "دوريان جراي" الأبيض الحريري ثم تركه يرحل في سلام.

بيت المتنبي البديهي و شديد المفاجأة أعلاه يلخّص كثيرا ما يمكن أن نشعر به إزاء الـ"جمال" ذي السلطة أو السطوة غير المستحقة تماما, ما هي القيمة الحقيقية الكامنة في الجمال البارع التي يحوز بموجبها كل هذا الإهتمام البشري غير المسبوق أمام أي براعة أخرى ؟, هناك مميزات ضخمة للجمال في الحقيقة, نماذج مثل "ديفيد بيكهام" , "كيفان تاتيلوج" الشهير بمهنّد, "حسين فهمي" "باريس هيلتون " ...إلخ ضاعف الجمال من قيمتها الأولى و الأصلية بشكل مبالغ فيه, إن كان هناك أصلا أي أساس لأي قيمة مفردة أخرى يمكن لهذه النماذج أن تقوم عليها بعيدا عن فكرة جمالها الفائق , هذا مثلا ما يجعل لشاب وسيم في مدرسة ثانوي مشتركة من السطوة المعنوية ما يضعه جوار الأول على الفصل و بلطجي الفصل و مهرج الفصل الأكثر شعبية, بل يمنح السلطة المطلقة لفتاة تافهة و سطحية و سخيفة القدرة على تدويخ الكثيرين لأسابيع للحصول على رقم هاتفها المحمول على منديل ورقي, الصورة الجميلة هي أخطر ما يمكن أن يواجه العقل البشري, من حيث أنها جميلة و من حيث أن عقولنا دائما ليس لها القدرة الدائمة على تخطي الفرضيات البديهية بنفس القدرة التي تستفزها غالبا الفرضيات المركبة , خاصة تلك التي تقف وراءها مؤثرات أخرى , هرمونية و نفسية , لها دورها الضخم في بناء سطوة الجمال البلهاء النافذة .
ما المعنى إذن في هذه السطوة غير المبررة؟ عاطفة شديدة العمق و الإيلام كالحب كيف تم تركها هكذا منذ بدء الخليقة عرضة لسطوة غير مفهومة أو محكومة منطقيا كهذي؟
هل هي منحة ربانية تساوي الموهبة مثلا , مثل تلك التي صنعت من الصعلوك متسوّل الأمراء المتنبي شاعرا عظيما ؟ أو زير نساء سافل مثل بيكاسو فنانا خالدا ؟ أو حتى من فاشل دراسيا كإديسون إلها علميا ؟ , لكن بالرغم من أهمية كل الهبات السابقة و التي تحتاج إلى جوارها على الأقل بعض المجهود الروحي أو العقلي للوصول إلى نتائج أو إنتاج "الجميل" , تقف وحدها , منحة " الجمال " الأكثر رفاهية و سذاجة , على قمة المنح الإنسانية درا للربح دون أي مجهودات حقيقية إضافية .
هناك الكثير لنقرؤه في الميثولوجيا عن الجمال : "فينوس" الآلهة الرومانية الأكثر شهرة بين عائلة الآلهة الكبيرة, و أكثرهم ورودا في القصائد و المجازات, الجمال المطلق الذي اعتبر نفسه ساميا على باقي الآلهة من نسب أبيها "زيوس" , و تعالت على صحبتهم جميعا, فعاقبها زيوس بالزواج من "فلكان" إله الدروع و السُرُد, القبيح الفظ القذر. فخانته مع "مارس" إله الحرب و الدمار, الذي أحبته دونا عن باقي الآلهة !, و فضحهما أبوللو فتعرضا لعقاب زيوس العظيم. فينوس التي منحها "باريس" التفاحة ( المنذورة للأفضل) دونا عن مينرفا إلهة الحكمة و هيرا زوجة زيوس و ربة الآلهة, فحلّت عليه اللعنة و جرّ وراءه الحرب و الخراب على بلاده و أهله حين عاد بعشيقته هيلين إلى طروادة, ليس ذلك فقط, ساندت "فينوس" باريس في حربه أمام الأثينيين الثائرين لشرفهم إلى أن قضى زيوس بالنصر لأثينا .
كل هذا التاريخ الحافل بالرداءة الأخلاقية في الميثولوجيا , لم يؤثر ولو قليلا في صورة الربّة "فينوس", و التي بقيت مثالا للجمال و الفتنة و السحر و مثال لكل محبوبة شفّافة رائعة.

الإنسان الجميل يعتبر نفسه صاحب ثروة ما, مميز بشكل أو بآخر و صاحب تأثير و نفوذ و أولوية, اللص الجميل هي التيمة الأكثر شعبية في السينما, السينما ذاتها هي ترويج للـ "جميل" و للـ "صورة" في أقسى أشكالها, حيث يظهر البطل السينمائي الجميل : طيب و مضحي و قوي و معطاء و مركز الكون , ليجد المشاهد نفسه في مأزق كونه هو الآخر طيب و مضحٍ و معطاء لكنه للأسف ليس جميلا بما يكفي لينال كل هذا الحب و الحظ و الأهمية و السعادة التي شعر بها في حياة هذا "الجميل" الذي كان على الشاشة .
نقطة أخرى, مختلفة عن نقطة "سطوة الجمال" وهي "سطوة الأشكال" عموما أو "سطوة الصورة ", أذكر أن سيدة عجوز كان تطرق باب منزلنا كل شهر تقريبا فأفتح لها أنا او أحد اخوتي فتقابلنا ابتسامتها اليسوعية البيضاء, تسأل عن أمي التي تمنحها بعض النقود أو أي شيء آخر تحتاجه, كنت أنا و إخوتي و أمي و أبي الذي صادف أن رآها مرات قليلة , نتحدث عن النور المطلّ من ملامحها و ملائكيتها الكسيرة , إلى ان أخبرتنا أمي ذات يوم أنها رأتها تتسوق في المتجر الفاخر بكل ثقة مع شابة أنيقة, تشتريان أغلى السلع و ترتديان ملابس فاخرة , و ما إن رأي "الملاك الكسير" أمي في المتجر ذاته حتى أخفت وجهها و فرّت تقريبا من المكان, على الرغم من إحتمالية وجود عدة تفسيرات لتصرّف هذه المرأة, إلا أنني للحظة شعرت بالعجز في الجمع بين ابتسامة هذا الملاك و احتمال أنها قد خدعتنا طوال هذه السنين تحت أي مسمى, حاولت أن أدافع عنها قدر الإمكان, أبرر الأمر بتفسيرات متتالية , مقارنة بـ"أم محمد", العجوز الدميمة العوراء , التي كنت ما إن أفتح الباب و أسمع سؤالها المتكرر بوجبة أو كوب شاي أو كوب ماء حتى أشعر برغبة جديّة في مواجهتها بكل ما "نسمعه " من آخرين عن امتلاكها لعقار في منطقة ما أو كونها بائعة ثرية في سوق بعيد, بل حين رأيتها أكثر من مرة في "قصر العيني" تضاءلت كل الإحتمالات أمام كونها هناك لغرض ما غير العلاج, الإتجار بمرض مثلا في امتحانات الكلية, انا أحد الذين يجدون صعوبة بالغة في الحكم على الأشخاص بمعزل عن "صورتهم" أو لنقل , يستهلك ذلك مني بعض الوقت, أتذكّر كذلك ملاحظة هامة سجلتها خلال الفترة التي اندمجت فيها في العمل الخيري بكثافة, و هي أن الأيتام الجميلون و الأيتام ذوي الملامح المسكينة أو الكسيرة أو الملائكية يحظون باهتمام أكبر غالبا, في رسالة المهندسين كان هناك ما يسمى بنظام " الأخ الأكبر" , حيث يلتزم المتطوع بدور الأخ الأكبر ليتيم من أيتام الدار, يزوره و يذاكر له و يحتفل معه بعيد ميلاده و يقضي معه دوريا أكبر وقت ممكن بحيث يصبح مسئولا عنه بشكل من الأشكال ماديا و معنويا, كان الأيتام الجميلون أو ذوي الملامح الملائكية هم الذين يسجلون أرقاما قياسية في نظام الأخ الأكبر الذي يسمح بأن يكون لليتيم الواحد أكثر من "أخ أكبر" , كانت هناك أسماء شهيرة : حبيبة و زياد و علي, تتحول أعياد ميلادهم إلى احتفال كبير للدار كلها تحضره أعداد كبيرة من المتطوعين من خارج نشاط الأخ أكبر ليقضوا وقتا مع حبيبة أو زياد , مقارنة بأعياد ميلاد أخرى عادية و محدودة, و في كل مرة كنت أصادف يتيما ذا شعبية كبيرة كان يصادف أن يكون "جميلا" , أعترف أنه أحيانا تكون للشعبية أسبابا أخرى, خفة الظل مثلا , لكنها غالبا ما تكون شعبية أقل, بالإضافة إلى كونها هي الأخرى شعبية مبنية على ما يجعل الصورة "أكثر جمالا" .
اليتيم الدميم الذي يصادف ألا يمتلك أي مواهب أخرى ترفع من رصيده يحقق إقبالا أقل في طلبات التبني أو احتضان المتطوعين عموما, ربما يعارضني البعض في ملاحظات كهذه, لكن ملاحظات كهذي كانت تتكرر أمامي بكثافة في عدة أماكن, نتجاوز ذلك إلى نطاق الحياة العادية, كثيرا ما أصادف بشرا غير مريحي "الصورة" فتتجنبهم لصالح من "تتوسم" فيهم الطيبة أو القبول, اليوم في مقابلة عمل ,قابلت شخصين على نفس الرتبة الوظيفية , أحدهما وسيم أنيق و الآخر أشبه قليلا بنموذج ذهني لدي لنمط سخيف من البشر : كاب و شعر طويل قليلا و شارب و بشرة داكنة و نظارة شمسية فوق الكاب و جينز كالح و تي شيرت ضيق, طبعا كنت طوال الوقت أحاول التفاهم و الإتفاق مع الشخص مريح " الصورة" الذي بدا لي أكثر عملية من نظيره غير المريح مبدئيا , غير أن المقابلة انتهت بأن ذو الكاب كان هو من يسّر لي كل التفاصيل و الإيضاحات و المسائل العملية بشكل أكثر ودا و جدية من الأنيق الذي كان رسميا و جافا و غير مستحضر للنية الحقيقية في إنجاز أي شيء, ربما لاحساسه بأنه ينجز شيئا ما بالفعل بمجرد وجوده الجميل في هذا المكان.
أحد أمنياتي العميقة في العام القادم هي أن أمتلك عينا عمياء للـ" الصورة", تتمكّن من تحييدها تلقائيا فور أن تبدأ في التشويش على ما يمكن تلمّسه بشكل حقيقي , أو تطمسه أو توحي كذبا بوجوده, اكتشف يوميا تقريبا ما يضيف إلى قناعتي بأن للـ "صورة " سلطة غير محدودة على ذهني, فبدأتُ تدريجيا في التوجّس من الزخارف و الكرانيش و المبالغات و الجميلات و النموذج المثالي و إعلانات التلفزيون و أفيشات الأفلام و اللبقين و خفيفي الظل و ماركات الأزياء و السعداء بحياتهم .





26 July 2009

غفوة مندوب المبيعات











الموبايل إلى جوار المفاتيح
إلى جوار الشجرة
على الأرض...
هذه هي الحديقة
جزيرة مفترق الطرق الصغيرة
قطعة النسيان الصلدة
وسط ذاكرة الأسفلت السائلة الوحشية ..
تمدد الآن..
آخر قطعة خضراء على بعد آلاف الأميال..


سيتأمل المارون في صمت
مندوب المبيعات
الذي استلقى تحت الشمس على الجزيرة الوسطى
يتأملون بفزع مبهم
رابطة عنقه المحلولة قليلا
أوراقه المبعثرة على العشب
و الوقت الذي يتسرب من هاتفه
و الذي دار يلملمه في المدينة من الصباح


لكنهم لن يقتربوا منه
النائمَ في سكينة مفاجئة
ولا يعرف أنه الآن يتمرغ في أحضان مسخ
من العشب الصناعي الرطب اللامع
و شجرة مفزوعة تكز على أسنانها في ألم
و تشد نفسها لأعلى..


ينتظره العميل
الذي يقضم أظافره في قلق
ينتظره المدير الذي يتململ من الضيق
تنتظره مندوبة مبيعات نحيلة
تقبض بقسوة على موبايل نحيل
لكنه نام
نوما عميقا
كبئر ريفية دفيئة
تمدد بطول جسده
فاتحا فمه فاردا ذراعيه
نام بشراهة
و يحلم الآن بالحدائق..



19 July 2009

أنا شفت أفلام أحلى من دي بكتير


ماذا يعني أن يُكتب في بداية فيلم " 1000 مبروك " أن الفيلم مستوحى من أسطورة سيزيفيوس بدلا من سيزيف ؟
ماذا يعني أن يكون كاتب سيناريو الفيلم التعبان ملّة شخصين : محمد دياب و كذلك أخوه خالد دياب ؟
ماذا يعني أن يكون إعلان الفيلم الشهير بالتريلر أفضل من الفيلم نفسه ؟
ماذا يعني أن يقدم أحمد حلمي مواعظ و أماثل في نهاية الفيلم ؟
ماذا يعني أن يعبّر الإبن في الفيلم بتضامنه مع مرض أمه و احتمالية فقدانها لشعرها في علاج السرطان بحلاقة شعره على الزيرو ؟
ماذا يعني أن الأم عندما تحتاج إلى عقار الترامادول تذهب لشراؤه من "تجار مخدرات" في القلعة بدلا من أقرب صيدلية و خمسة جنيه في جيب الصيدلي أو مكالمة تليفون لأقرب طبيب معرفة ؟
ماذا يعني أن تحادث الأخت صديقها عبر الإنترنت من غرفة أخيها العصبي و العنيف باستخدام الكاميرا بحجة أنه في الحمام ؟
ماذا يعني أصلا أن نرى الفيديو شات يتم عبر برنامج ويندوز ميديا بلاير ؟
ماذا يعني أن يظل العريس حتى الساعة 12 ليلا عدة مرات بعيدا عن فرحه المنتظر جالسا مع صديقه في الكوفي شوب دون أن يبدو على صديقه أي استغراب او قلق ؟
ماذا يعني أن البطل لم يحاول الإتصال بحبيبته و و مزّته و زوجة المستقبل ليحكي لها وقائع وفياته العجيبة ولو مرة واحدة بدلا من صديقه طوال الفيلم ؟
ماذا يعني اصرار أحمد حلمي على تقديم "صعبانيات كوميدية" مثل آسف على الإزعاج و 1000 مبروك ؟

01 July 2009

آساتيكا أذا أوبّس..







مايكل جاكسون, أوك ..
أنا أحد الذين فاجئهم الخبر, و صاحبت المفاجأة حسرة عميقة على الزمن الذي بدأ يفوت, شعرت و أنا أقرأ الخبر في ميكروباص "إمبابة_ وحدة" أنني بدأت أكبر و أن الزمن فعلا يمر و أنه قد جاء الوقت الذي أرى فيه رموز زمني الكبرى تتناقص بالتدريج,المهم أنني لم أكن من سمّيعة مايكل, رغم حضور اسمه كأسطورة هائلة إلى الحد الذي كانت تصلني معه التأثرات الشعبية المشوهّة بأغانيه مثل :
"أساتيكا أذا أوبّس.."
و كذلك "إيدي إيدي واكِن "
وهو ما كان يردده الشباب في شارع موسى بن نصير , ,واكتشفت لاحقا أنهم كانوا يعنون بهما أغنية مايكل : سموذ كريمينال
أو " سوززي كاتش نمبَح.. "و التي لم أعرف إلى الآن أي أغاني مايكل كانوا يقصدون
كذلك موسيقى: بلاك أور وايت ,التي كانت تصادفني كثيرا أو أسمع الزملاء سواء في الكلية أو في النادي يغنونها متأثرين بالكليب الذي تتعاقب فيه الأعراق البشرية على الشاشة..
في الكلية استمعت في سيارة صديق إلى : أنبريكابل, واستمتعت بها جدا في لحظة خلو بال من أي اعتبارات أخرى أو أفكار مسبقة , أغنية في مسجل سيارة صديق , لم يكن هناك ما ينسب الموقف إليّ بأي شكل, في وقت كنت فيه مهتما جدا بتحديد مواقفي و تقييمها بشكل دقيق.
أذكر أنني _أيام ثانوي تقريبا_ بينما كنت أجلس مع "عمرو " أمام التلفزيون أن عرضت أغنية "إيرث " فحوّلت القناة, عمرو طلب مني أن أعود مرة أخرى إلى الأغنية لأنه يحبها كثيرا, فعل ذلك في الوقت الذي حوّلت فيه القناة قبل أن يفكر أنني شاب سيس يستمتع بأغاني السيس " مايكل جاكسون "
كانت أيام والله , باي باي مايكل



25 June 2009

زنجي


زنجي







15 June 2009

01 June 2009

نجمة المأساويات









كل فترة تفاجئني أشياء كهذي:

في طريقي إلى 6 أكتوبر ,على المحور, أرى لافتة إعلانية كبيرة عن صدور ألبوم الفنانة "لقاء سويدان " الجديد " فرحة حياتي " .
هل يتذكر أحد "لقاء سويدان " ؟
لقاء هي الممثلة المغمورة التي يمكنك أن تراها في حلقات برنامج مثل "بين الناس " فتشرد للحظة بينما تضغط وجبة العشاء على أنفاسك فتفكر في مستقبل ممثلة متوسطة المستوى و الجمال و الحضور مثلها, كيف تقضي أيامها أو تخطط لمستقبلها التعيس ؟
أذكر أنني من سنوات سألت أمي بينما نتابع المأساويات الأسبوعية "بين الناس" عن رأيها في "لقاء", هل تراها جميلة مثلا ؟, لا أتذكر الرد تحديدا لكنني أذكر بوضوح تعليق جميع أفراد الأسرة على عدم اتساق ملامحها بشكل واضح, لهذا ربما تذكرت لقاء على الفور حين رأيتها على اللافتة الإعلانية الضخمة .
حين وصلت إلى العمل لم أتعب إطلاقا في الوصول إلى ألبوم العزيزة "سويدان" ,و بسماع عدة أغان منه , قمت ببحث فوري عرفت منه أن العزيزة سويدان تزوجت منذ أعوام من السيّد حسين فهمي و هو ما يفسر كثيرا وثبة نوعية بين "بين الناس" و إصدار ألبوم غنائي فاشل..
والله زمان يا لقاء..
ا


24 May 2009

حامد رجع جامد








ربما تكون قد لاحظت هذه الحملة الإعلانية الكثيفة للـ Vimax , العقار الجديد الذي سيتكفّل بإطالة عضوك إلى مالانهاية , الحملة لا تقتصر مثلا على المواقع الطبية أو الإباحية , بل يمكنها أن تفاجئك على الـ you tube و yahoo و los angeles times و bbc news و CNN, الحملة تم إعدادها بعناية مع إختيارإنفعالات الطرف الأخر في العملية كمعيارلتقييم جودة المنتج , وهو دافع إعلاني موفّق جدا









الذي أفكر فيه هو فيم قد تفكر بناتنا و زوجاتنا و أخواتنا العفيفات ربيبات الخدور , حين يفاجئن بدخولهن على أي من المواقع التي اختارتها Vimax لحملتها الدعائية حين يكتشفن أن موضوع " الطول " موضوع يؤرّق بال العالم إلى الحد الذي تصل إعلانات تحسينه إلى كل مكان..










على اليوتيوب أيضا , الذي قد يقودك البحث العشوائي فيه إلى إنحراف بيّن , لكن في حالتنا هذه البحث وراء Vimax كان مثمرا جدا بخصوص الموضوعين : "الطول و اللون و الحرية " و كذلك " فعالية الدواء "


العزيزة " فراسكو " لديها ما تحكيه



العزيز" حمادة ماجابش نتيجة"





إستشارات الشبكة الإسلامية




تشعب الموضوع و خرج من يدي في الحقيقة لأفاجأ بأنه من اللازم تتبع تاريخ و سيمياء إعلانات المقويات الجنسية , ليس في العالم , بل في المنطقة العربية على وجه الخصوص لأسباب سوسيولوجية لا تخفى على أحد , إذ يلعب المجاز السيميائي الدال الدور الأساسي في تغطية أي حوار يتعلق بالجنس بشكل مضاعف لدى العرب..

هناك مثلا نسخة سنافي في مصر , هو مش شغّال ولا إيه..



>

التي تختلف عنها في المملكة العربية السعودية , لأسباب سياسية, متعلقة بالـ "واجب " لدى الإخوة السعوديين


, ثبّت الله خيامهم



و رفع شاليموهاتهم



وصولا إلى النسخة الكوزموبوليتانية و درة التاج :حامد رجع جامد





16 May 2009

مدوّن «مثلي»... مثلك





"الأفكار النمطية يا عزيزي لاتتعلق فقط بالمثليين, ففي مجتمعاتنا العربية تجد هناك عداءا حتى لأصحاب الافكار الجديدة، هل تلاحظ العداء الكبير للكثير من المثقفين أو الكتّاب أو أصحاب دعوات الإصلاح والتجديد؟ المشكلة ليست فقط عن المثليين إنها حالة عربية عامة "

هكذا يبدأ المدوّن المثلي الكويتي الشهير "ريكي" صاحب مدونة gay boy weekly حديثه عن حال المثليين العرب , يرى "ريكي" أن المجتمع لا يستمع للمثليين وبنفس الوقت لا يحاول البحث عن المعلومة الصحيحة، "إذاً كيف سيعلم المجتمع حقيقة المثلي؟", يتساءل ريكي , "عن نفسي أنا شاب مسلم بدأت الصلاة من عمر السادسة ومازلت مستمرا على ديني وتطبيق الشعائر حتى اليوم، أحب الخير للناس مثلما أريد من الناس أن يحبوا الخير لي، لا أطمح بأكثر من علاقة تسامح واحترام تسود بين الناس " أما عن الحرية التي منحها له الإنترنت والتدوين فيقول : "المدونات متنفس للجميع و للمثليين بشكل خاص، التدوين أصبح عالم مفتوح لكل من يريد أن يتنفس بمجتمعات تمنعك حتى من التعبير, لكن مع مانراه من ملاحقة للمدونين صرنا نتساءل هل أصبح ممنوعا علينا ايضا التعبير عن انفسنا في مدوناتنا الشخصية؟ إذا كنا ملاحقين حتى على الإنترنت أين نذهب إذا؟ ".


المدون "دودي" يقول عن مدونته"سعودي مثلي الجنس " التي تم حجبها مؤخرا بالفعل عن مستخدمي الإنترنت في السعودية : ساعدتني المدونة على التنفيس عن ميولي كما أنها ساعدتني للتعرف على اصدقاء مثليين ومغايرين ,بل كان من الجميل أن استمع خلالها لعدد من المثليين السعوديين الذين ساعدتهم على تقبل ميولهم وهو أحد أهم أهداف إنشائي للمدونة , كذلك أنا من مرتادي برنامج البالتوك بشكل يومي و أواجه حرباًشبه يومية تطالب بإخراجي من الغرف الحوارية والدينية وعدم السماح لي بالمشاركة بالحوار" , "دودي" يعيش الآن مع شريكه في الولايات المتحدة و يرى أن حياة المثليين في السعودية ليست بذلك السوء الذي قد يكون في بلاد عربية أخرى , خصوصا اذا نظرنا لحياة المغايرين هناك , يقول : "في المجتمعات العربية والسعودية بالتحديد يمكن أن أشبك يدي بيد حبيبي ولن ينظر لنا أحد على أساس اننا مثليين و قد نذهب كذلك لعشاء رومانسي , بعكس المغايرين في السعودية الذين يواجهون صعوبات من الشرطة الدينية (الهيئة ), هناك بالفعل الكثير من اصدقائي المغايرين الذين لم يتمكنوا من لقاءحبيباتهم خارج المنزل بعكسي أنا وحبيبي".


وعن الوضع في مصر يقول المدون المثلي " كريم عزمي" , صاحب مدونة "يوميات كريم " : هناك حالة من عدم تقبل المجتمع المصري للأخر المختلف , حالة من عشق للتصنيفات و تقسيم البشر, هناك تعصب أعمي حتى بدون وعي أو فهم , و هذا في مجالات كثيرة و ليس تجاه المثليين فقط , تستطيع أن ترى هذا في الأديان و المذاهب و فرق كرة القدم بل وحتى العائلات, و لهذا فبالطبع ليس لي اصدقاء غيريين في الواقع الفعلي يعرفون بهويتي المثلية الجنسية, أما بخصوص الواقع الإفتراضي على الإنترنت فلي أصدقاء بالفعل, قابلت بعضهم في الواقع و كنت سعيداً جداً بلقائي بهم بل ساهموا كثيراً في تقبلي لذاتي و احساسي بالاستقرار النفسي ,و أكثر هؤلاء الأصدقاء بنات مغايرات " , "كريم " نشر على الإنترنت كتابه "قهوة و شاي " , الذي يضم مجموعة من المقالات و القصص القصيرة تدور حول مشاكل المثليين و الحب المثلي , وصل عدد تحميل الكتاب إلى ما يقرب من الـ 1000 نسخة خلال عام واحد أما عن كتابه الجديد الذي يفكر في نشره على الإنترنت قريبا فيقول : بخصوص فكرة طبع الكتاب القادم ورقيا , لا أعرف ,راودتني الفكرة أو الحلم و لكني أعرف الواقع جيدا ولا أريد أن أتعرض لمشكلات من أي نوع ".


عن البحرين يقول المدون المثلي "سامر الصامت " صاحب مدونة "أخبار عن المثلية " أن الصمت والخوف هو السائد بين معظم المثليين البحرينيين, ذلك على الرغم من كون البحرين منفتحة أكثر من الدول الخليجية الأخرى الا أنها ما زالت تنظر للمثلي نظرة شاذة ومهينة, ,وعن تجربته في التدوين يقول سامر : المدونات أصحبت متنفسا كاملا للمثليين العرب للتعبير عن أنفسهم كما أطلقت ابداعاتهم الأدبية وكتابة صرخاتهم ودمهم المهدور في مجتمعاتهم, كذلك قوّت أواصر الصداقات بين الكثير من المثليين سواء داخل البلد الواحد أو عبر الوطن العربي ,و حاليا نجري مشاورات لإطلاق موقع نضم فيه أفضل ما كتب في مدونات المثليين لكننا نواجه عقبات مثل الخوف من كشف الجهات الحكومية عن مؤسسي الموقع وإغلاقه كما فعلت البحرين وعدد من الدول الخليجية لكثير من المواقع المثلية من قبل .


أما المدوّن المثلي "إمّ جي " , صاحب مدونة " A Frozen Heart With A Gay Orientation " فيقول : وضع المثليين في الأردن ليس سيئا ولا جيداً, إنه محايد, الحرية الجنسية يصونها الدستور و تشمل الحرية المثلية, و لكن العادات و التقاليد و الدين كلها أمور تضع الحواجز في طريق الاندماج الكلي للمثليين في المجتمع, يبقى الحال في الأردن كحريات و حقوق من قبل السلطات الأفضل في الشرق الأوسط., وعن التدوين و الإنترنت يقول "إم جي " : الانترنت عالم أخر, يمكنك فيه ان تحصل على حياة اخرى, اسم آخر, اصدقاء آخرين, تحصل حتي علي شخص تحبه و يحبك و لكن في الواقع, نفسيتك ستنهار عندما ترتطم بواقع ان كل ذلك هو فقط نبضات كهربائية على جهاز الكومبيوتر ولا يمكنك أن تحصل على الشعور المماثل للواقع. المدونات تشكل عالماً موازياً للعالم الواقعي, و من الممكن أن مشابهاً للمذكرات أو الـ Journals التي يكتبها الشخص على ورق, ولكن في المدونات يوجد الخيار لإبقاء شخصية الكاتب مجهولة, أما في المذكرات فلا يمكن اخفاؤها ابداً.


نشر في الأخبار اللبنانية


15 May 2009

هو مين العلي ده ؟





حتى الآن أعتقد أن أسعد لحظات حياتي هي التي أكون فيها في البيت بينما يكون في الشارع أو الشوارع المجاورة فرح أو حنّة أو خطوبة أو تنجيد مجيد, بحيث تصلني في الغرفة تنويعات أوركسترا الدي جيه السيمفوني بكامل طاقتها الكامنة, أكتب ذلك بينما تصدح "أمينة" بتحفتها غير الأصلية : زكي يا زكي يا زكي زكي يا زكي , هو مين الزكي ده, وهي إعادة تقديم لتحفة خالد الذكر النبطشي خالد بعرور " علي علي يا علي علي يا علي , هو مين العلي ده " , التي أدارها رجل الدي جيه ذو الكاب و الأربعة عشر ذراعا, بعدها مباشرة في إدراك حقيقي و وعي عميق بتراث الأغنية الشعبية..
تأمل بلاغة النداء ثم السؤال : هو مين الـ علي ده..
سؤال يليق بحشّاش أصيل, أتلفت توليفة البانجو التالفة أصلا مراكز اللغة ثم مراكز النطق في دماغه التالفة من الأساس لأسباب وراثية تتعلق بإمبابة..
الآن , بعد نصف ساعة تقريبا , وصل رجل الدي جيه بالحضور إلى مرحلة الكارما , تلك التي يختلط فيها الوعي بأطياف التهيؤ , حلقات من شباب إمبابة يدورون في رقص صوفي عميق موقّع رهيف على رائعة أشرف وهبة : " أنا عامل دماغ تمام..مام مام مام ..مش بانجو ولا برشام ", أنا نازل إلى المتعة الروحية الخالصة..


14 May 2009

أمي جاية






بغض النظر عن المسألة القيمية , أنا أعتبر "دينا" نموذجا نادرا , لأنه ليس هناك من لم يرتجف من فكرة أن تقوم صباحا من فراشك لتجد كل أفراد أسرتك واقفين على باب غرفتك يحدقون فيك بنظرة ثابتة,ثم تنطق أمك : إحنا عرفنا إنت عملت إيه, تنزل إلى الشارع لتجد نفس النظرة : عارفين إنت عملت إيه , ثم الحي ثم الكليّة ثم أصدقائك ثم حبيبتك..إلخ, "الهلع من الفضيحة" أو "فوبيا الفضيحة" هو الفوبيا الأكثر تحققا في التاريخ, مثلا: المخرج أكرم فريد الذي تم تسريب مقطع فيديو قصير من حفل زفافه بينما يقوم مع زوجته بما تخيّل أنه فاصل طريف أمام الحضور لكنه على ما يبدو ليس لطيفا إطلاقا ولا معتادا في حفلات الزواج المصرية التقليدية, أكرم يعاني حتى الآن من نشر هذا المقطع على اليوتيوب, إلى الحد الذي أعلن فيه أنه يخجل من السير في الشارع الذي يسكن فيه أو التلكؤ قليلا أمام بوابة منزله خوفا من نظرات الجيران و البوابين بعد ما رأي الجميع ما حدث, هل يمكن بالقياس إعتبار "دينا " بطلة بشكل من الأشكال؟, اليوم كنت أجلس مع الفنان "عمرو سليم" الذي أخبرني أنه يعتبر دينا من أفضل 10 شخصيات نسائية مصرية, البنت التي شاهد الوطن العربي كاملا لحظاتها الحميمة مع زوجها السيد حسام أبو الفتوح, لا مقطعا صغيرا أو ملفا واحدا يمكن التشكيك فيه, بل عدة ساعات تناقلها الجميع بعد أن تم تسريبها عقب القبض على حسام و تفتيش منزله, فضيحة كهذي, أو أقل كمان , كفيلة بأن تقضي على حياة أي شخص عادي, لا فنانة شهيرة يعرفها الناس في الطريق, "دينا" اكتئبت لعدة شهور, اختفت تقريبا و تنبأ الجميع أنها بالتأكيد لن تجرؤ على السير في الشوارع نفسها مرة أخرى, لكنها و بشجاعة لا يمكن تصديقها في الحقيقة عادت للتمثيل و الرقص و الأحاديث الصحفية, ربما يمكن التعليق على ذلك بأنه لم يعد لديها ما تخسره فكان لابد لها أن تفكر فيما يمكن أن تكسبه على أي حال, لكني لا أعتقد أن أصحاب هذا التعليق سيكون لهم نفس القدرة على التفكير بنفس الطريقة لو كانت فضيحة بهذا الحجم من نصيبهم, خاصة و أن تفاعل عناصر الميديا بشكل مبعثر في الفترة الأخيرة أتاح تنقل جميع أنواع الفضائح من و إلى الموبايل إلى و من اليوتيوب من و إلى أجهزة الكمبيوتر من و إلى الناس, أخر ما وصلني كان عن طريق إيميل من منتديات 15 مايو التي تراسلني بشكل شبه يومي لأسباب مجهولة , عنوانه الفضيحة التي هزت 15 مايو, و كان فيه رابطا لمقطع على اليوتيوب تم تصويره بالموبايل, ثوان قليلة لفتاة يعبث بها شاب في محل بينما تضحك و تهمس له بقلق: إوعى أمي جايّة., الفتاة التي كانت في المسافة بين التمنّع والاستسلام رنّ جهازها المحمول فجأة فكانت رنته بصوت محمد جبريل الخاشع: اللهم استرنا فوق الأرض و تحت الأرض ويوم العرض عليك..




29 April 2009

ما هو فيلمك القادم يا عزت ؟





سينما تطل على البحر
ليرى البحّارة من بعيد
إعلانات الأفلام الجديدة
المزينة بالنيون الأزرق و الأحمر..



و يرى الواقفون على الشاطئ
وجوه هوليوود الوسيمة
غائمة و مموهة على الموج..


سأعرض فقط الأفلام التي أحبها
أو يرشحها أحدهم..
أشارك أهل البلدة العرض الأول..
ثم أصعد إلى بيتي فوق السينما
أطل أنا و أنتِ من الشرفة
جوار الأفيشات الكبيرة و مصابيح النيون
نتأمل البحر و المراكب الصغيرة الطافية ..
نشرب الشاي و نحكي عن حياتنا البلهاء القديمة
عن البشر العجيبة التي قابلناها
عن الأيام العجيبة التي كانت تتراكم حوالنا
كقوالب الطوب الأحمر
المعدّة للبناء...المتناثرة حولنا على الدوام..
التي لم نفلح في أن نصفّها حتى
بيننا و بين كلاب الشوارع
بينما نتجادل أمامها بحدة
كل يوم
عن خطط الفيلّا
الفيلا الأرستقراطية الأنيقة
الممتعضة المستاءة علىحافة الطريق..
اللعنة..
هل كنا حمقى إلى هذا الحد ؟



البلدة الصغيرة
مغروسة القدمين في الرمل أمام البحر
و التي يحبني كل سكانها ماعدا واحدا أو اثنين
يعتقدون أنني زائف بشكل ما
بينما يأتي الباقون إلى السينما
وهم يلوّحون لي من بعيد
و يدعونني إلى حفلاتهم الصغيرة
التي يناديني فيها الجميع : "عزّت "..
هل رأيت ذلك يا عزت ؟
ما رأيك في فلان يا عزت ؟
ماهو فيلمك القادم يا عزت ؟
عزت صاحب السينما الصغيرة المطلة على البحر
و حرمه الرقيقة
التي تعدّ الكيك و الحلوى للجميع
و يدعوان كل أهل البلدة مساءا
لمشاهدة الأفلام الجديدة
يفتحان الأبواب للجميع..
و يوزعان الشاي و الكيك
"عزت" الذي يكتب أحيانا قصائد لطيفة
يعلقها في نادي البلدة
بينما ترسم حرمه الرقيقة على الزجاج
"عزت" الذي أتى من بعيد
اللطيف الخجول
الذي يحمرّ وجهه أثناء المديح
أو اللوم
أو النقاش
و الذي لم تكن له منذ أن جاء إلى البلدة
أي مشاريع أو إنجازات أخرى
بخلاف سينماه المبهجة الصغيرة هناك..
مكعبه البنفسجي المضئ
بالقرب من البحر..


20 April 2009

إدارة مكافحة الجرافيتي






بينما يعلق البعض على ما يحدث بـ "شيخوخة الدولة ", أعتبره " طفولة الدولة الثانية" , الإرتداد الصبياني المفاجئ لنظام دولة كبيرة إلى حد إفتعال مشاجرات مع "قناة فضائية" أو " حزب " في دولة عربية شقيقة , أو إنزعاج أمن الدولة البالغ من مجموعة رسوم و كلمات على أرض و جدران شارع طلعت حرب, من المهم هنا الإشارة إلى حال الأجهزة الأمنية في مصر مؤخرا, الأمر لم يعد فقط مقتصرا على انتهاكات غشيمة لحقوق المواطنين سواء في الشارع أو أقسام الشرطة , بل حالة ضعف مهني حاد, فعلى بعد عدة تقاطعات قليلة من معقل أمن الدولة في لاظوغلي, و في أكبر شارع رئيسي في وسط البلد ,شارع طلعت حرب, تهبط ليلا كائنات فضائية من كوكب ما في منتصف الشارع , ثم باستمتاع تام تنشر رسومها بطول أرضية الشارع وعرضه وتوزع على جدرانه ملصقات مثل : أونطة ! ثم تغادر , يحدث ذلك بينما لم يلاحظ أي شيء فرد أمن واحد أو أمين شرطة يوحد ربنا, في المنطقة التي يفترض أن تواجد الأمن فيها شبه كامل, سيارات مصفحة و دوريات راكبة و راقدة قرب "جروبي" و جوار "حزب الغد " و خلف كل ناصية و تقاطع, أمن الدولة الذي يحاول رجاله طول الوقت إيهام الجميع أنهم على علم بـ "دبة النملة" في الحجرات الشريرة المغلقة , فوجيء يا حبّة عين أمه في الصباح برسوم غريبة و نقوش مبهمة على الجدران, فنشر رجاله و أقام كردونات و استعان بالخبراء ليفكوا له شفرات الرسوم التي يظهر فيها "رجل يحمل مكنسة " و هم يرجّحون أن تكون مجموعة من الإرهابيين بلحى طويلة و جلابيب قصيرة قد أقامت نزهة ليلية " في وسط البلد " ليطبعوا شعارهم بكل حرية ليُعلموا الجميع عن قرب تفجيرهم القادم لكنهم على ما يبدو نسوا أن يعلقوا بوسترات التفجير قبل المغادرة,أمن الدولة الذي تحكي لي زميلة جديدة في العمل أنه يراقب كل العاملين في الحقل الإعلامي و القنوات الفضائية عن قرب و تعتقد في ذلك بحماس, حاولت أن أفهمها أن الأمور أبسط من ذلك بكثير, الموضوع كله "حركات" يقوم بها ضباط أمن الدولة من حين لأخر لإقناع الناس أنهم يقظين خلف نظاراتهم السوداء 24 ساعة في مكاتبهم نصف المعتمة, يتصلون بأحدهم من باب الترهيب و يخبرونه ببعض معلوماته الشخصية التي خصصوا لها فرد أمن قبل الإتصال بيوم واحد, "حركات" ذات نطاق ضيق و لحظية, لا أصدق صراحة أن هناك أي جهاز مؤسسي في هذه الدولة يعمل بكفاءة 50 % , الضباط على الأرجح مشغولون بتأمين مصالحهم و استثماراتهم الشخصية بينما يمكنهم إرضاء رؤسائهم الأكثر مشغولية بما سبق بالقليل من الزيطة و "الحركات" اللحظية, ناهيك عن المستويات العقلية أو ثقافة ضباط و كوادر هذه الأجهزة من الأساس, أسمع عن ضابط أمن الدولة الهمام الذي كان يحاول إقناع مدوّن ناشط بأنه مطّلع و مثقف و بتاع تكنولوجيا قائلا: دا أنا عندي إتنين إيميل, و الآخر الذي ظل يستفسر عن معنى كلمة مدونة قرابة الساعة في الوقت الذي كان يقوم فيه المدونون بتنظيم مظاهرات و الدعاية لها عبر هذا الإختراع العجيب الذي لا يسمع عنه الضابط اليقظ , الحكايات في هذا الشأن يمكنك أن تسمعها بشكل متكرر ممن كان لهم نصيب الإلتقاء بالأعزاء المسئولين عن أمن هذه البلد, كيف إذن سيتوقع ضابط أمن دولة ماركة "إتنين إيميل" أن ما حدث كان على ما يبدو حملة "جرافيتي" خفيفة ؟ هل يعرف ضباط أمن الدولة ما هو الجرافيتي ؟ هل لا زالوا ينتظرون صدور بوسترات التفجير التي ربما نسيها الإرهابيون على ناصية جروبي ؟ الموضوع كله ربما قام به شاب نحيل واحد, يجلس الآن مبتسما ينتظر تحليل "الخبراء" لرسومه خفيفة الظل..


13 April 2009

خمسة



خَمْسَة