28 September 2008

شغل عزّت










في هذه الأيام الراكدة يبدو لي الحديث عن "شغل كايرو" أمرا لا بأس به , الديوان بعد صدوره إتكلمت عنه بشكل عرضي في أماكن متفرقة , لكن عايز أتكلم عن عدة أشياء أسعدتني عموما بشأن شغل كايرو:

مبدئيا , الديوان كان الإبن لفكرة وحيدة هي كتابة الشعر المخلّص من كافة زخارفه , أردت الوصول للعمق خلال الحد الأدني من الزخارف اللفظية و المعنوية للشعر ,يندرج تحت ذلك استخدام الحد الأدني من فرض الرؤية أو تحليلها , بمعنى أن الديوان مرّ بمراحل من التنسيق و الحذف و الإبدال للوصول إلى الصيغة الأبسط بأكبر قدر متاح من الشعر..
حتى هذه اللحظة لا أعرف مدى النجاح في عمل ذلك , خاصة مع العامية التي تحتاج إلى إتزان مرهق للخروج بها من "غير الشعري " للـ "شعري في سياقه " , تحويل تكوين من الألفاظ اليومية العادية إلى كيان جمالي , و جمالي فقط خلال الوصول إلى الشعريّ دون كرانيشه..

في بعض المقاطع برضه معرفتش أتخلص من لعبة الشعر , الممتعة للطرفين : الشاعر و القارئ , و يمكن عشان كده التخلص منها شئ مرهق جدا, القارئ الإفتراضي بيجبرك على الإستلذاذ بالزخرفة في حين إنك إنت وهو عارفين إنها لعبة على الهامش أو دوران حول المركز , و الهروب من لعبة الشعر مش معناه موقف عدائي منها , المتعة شئ مهم جدا , لكن كنت مهتم بخلق سياق شعري كبير للعادي و اليومي , في مدينة زي القاهرة بشكل مجرّد تماما من شكليات الشعر و متناسب تماما مع الحالة اللي بوصفها , نوع من السذاجة المتزنة و الموقف البسيط من المشهد في فوضى القاهرة التامة ..


أكتر من نقطة خلتني أفكر إني حققت حاجة خلال شغل كايرو:

منها لما كان حد يقولي إني في الديوان كنت هادي النـَـفــَس و متسق مع الناس و في حالة تسامح , و أنا فعلا قصدت أوّصل ده خلال كتابته , بغض النظر عن حالتي ساعتها..
الفنان الحقيقي في رأيي بيخلق حالة , مش مجرد بيحس بحالة فيقوم بتحويلها لحظيا لمعادل فني , ده ممكن يحصل أو بيحصل , لكن الفنان يقدر "يخلق " من عدم , يشكل موقف من خارجه و بوعي مش مجرد يقوم بدور المترجم الفني لمشاعره اللحظية الخاصة و أفكاره على هيئاتها..
أنا شخص عنيف جدا و عصبي جدا في الحقيقة , لكن في شغل كايرو كان جميل إني سمعت كذا حد بيعلق إني كنت هادي تماما و متراخي في السرد , من كام يوم كنت بقرا عن فكرة الإيقاع في العمل الفني , في السرد عموما , مقالة عن امبرتو إيكو كتبها سيد الوكيل في آخر عدد من الثقافة الجديدة , كلام مهم جدا عن التحكم في إيقاع القراءة , التحكم في زمن القراءة و الوصول للإيقاع المطلوب المُمهد لما سيليه .


برضه من اللي بيحسسني بالإنجاز في الديوان إني كنت بقرا كتاب عن فنون ما بعد الحداثة , بوصفها أعمال بتعتمد بإختصار تام على : تحطيم الشكل , اللا مركزية, الصدفة و التلاعب و الفوضى و ضد التأويل و التشتيت و المزج و التسطيح , استمتعت جدا لإني بدون وعي بكونهم خواص مميزة لأي شئ , تعمدتهم بشكل كبير في كتابة الديوان و تنسيقه و إيقاعه ..
أعترف برضه إن الديوان ممكن يترفض من أول صفحة , من أول مقطع , لو مقدرتش أوصل لتسوية مع القارئ عن شوية حاجات : فكرته عن الشعر و عن العمل الفني عموما , حيقف بينا ساعتها تعريف الشعر و لغة الشعر حسب درجة تعصب القارئ لفكرته أو مدة قدرته على خوض تجارب جديدة عموما ..


أسعدني برضه بشأن الديوان إن كذا حد بعد القراءة قاللي إنه كان يقدر يكتب زي شغل كايرو و أحسن , الموضوع مش معجز, ولقيت كذا حد بدأ فعلا يكتب على نسق شغل كايرو , و ده أنا شئ إشتغلت عليه عشان يطلع الديوان بالشكل ده , الأحساس بعفوية و تلقائية العمل , الوصول للبسيط التام الشعري في سياقه , إختفاء نبرة الشاعر العارف أو الفيلسوف , بشكل يقنع القارئ بقدرته على إنجاز مماثل خلال أفكاره و مشاهداته الخاصة , برضه لقيت في كتاب "إتجاهات النقد في فنون ما بعد الحداثة " إن من أهم خصائص العمل الفني ما بعد الحداثي هي قدرته , خلال بساطة تشكيله و وضوحه الظاهر , على إقناع الجمهور بكونه قادر على إنجاز عمله الفني الخاص بيه عن طريق التفاعل مع العمل و تحفيز العمل ليه..



و طبعا قصة نشر الديوان السيريالية وهي بإختصار: تقديمي لديوان أحلى فيلم لميريت ثم رفضه من قبل الدناصوري ثم نشري لشغل كايرو أون لاين فتتصل بي ميريت : "سننشر" فأعتقد أنهم يقصدون " أحلى فيلم " , أروح ميريت و أنا بفكر عن أسباب تغيير رأيهم ,يقولولي لأ إحنا عايزين التاني اللي على النت ..
عرفت يومها أن إبراهيم داوود كان قد قرأه على النت و كذلك "أحمد العايدي" _ كنت قد حصلت على إيميلاتهم من الدستور و أرسلت لهم الديوان في الدعاية لدار سوسن _ فقرأوه في ميريت على خيري شلبي وأحمد فؤاد نجم و عادل السيوي و جمال العاصي و آخرين , فلاقى استحسانهم و أيدوا حماس إبراهيم داوود لنشره ..
عجبني جدا تعبير خيري شلبي لما قالوله إن الولد اللي كاتب شغل كايرو بييجي الدار و ممكن نتقابل قال لهم : مش عايز أشوفه , أنا حبيت شغله و يمكن لما أشوفه هو أكرهه :))

مر على صدور شغل كايرو سنة و شهر تقريبا , الطبعة الأولى فاضل منها عدد قليل في ميريت و كذا مكان , سعيد عموما بالتجربة سواء أثناء نشره على النت أو نشره ورقيا بعد ذلك
يبقى أن أقول إن فترة نشره على النت كانت أمتع فترة بالنسبة لي , كنت بتلقى بشكل مباشر و يومي رأي الناس و التعليقات و أتابع اللنكات و و و ..كانت بهجة حقيقية

صباح الفل



3 comments:

Zianour said...

صباح الخير
(بتوقيتي)

المقال ده ممتع جدا واتعلمت منه الكتير

وطبعا هادور على شغل كايرو (ع النت :)) و
واقراه واعلق عليه

على كل الاحوال
انا اراك جرئ جدا ف كونك كاتب بمعنى
افضل انك في مرتبة اقرب للتقمص التام مع الجلد الجديد الذي تمنحه صنعة الفن

واعتقد اكثر انك لواستمررت ف الحفاظ على توازنك ف اقصى لحظات الفن ستصبح اديب القرن القادم كما قلت لك من قبل

تحياتي وتشكراتي

وصباح الياسمين

ست الحسن said...

مساء الخير

بمناسبة الكلام عن شغل كايرو

أنا أول مرة قريت كتاباتك كانت على المدونات وكانت قصة قصيرة عن الولد اللي بيلاقي مشاعره عن اللي حواليه مكتوبة في الجرنال بصراحة مش فاكرة اسمها بس فاكرة تفاصيلها

بعدها قريت كلمني شكراً ولفتت انتباهي جداً لما اكتشفت ان القصص اللي بتكتبها طويلة نسبياً واني دايماً ما بقدرش اقرا سطرين واسيبها وامشي لأ دي بتجبرني اني أكملها للآخر وساعات ترجعني أقراها من الأول تاني زي حدوتة ناديةوبعدها بقيت بتابعك

من فترة كنت في مكتبة البلد وانا بادور لقيت شغل كايرو وعايزة أقولك اني اندهشت جداً لأني حسيت انكم شخصين مش نفس الشخص

الحساسية والنظرة المتأملة اللي تخليك تحس انك بتقرا حاجات حصلتلك فعلاً
بس وجودها بالطريقة دي داخل السياق اللي هي مكتوبة بيه بيخليك تبصلها مرة تانية بنظرة جديدة
أنا حسيت ان الديوان كله قصيدة واحدة فيها كل المقاطع دي

من الحاجات اللي وقفت قدامها المقطع بتاع البيت ده ملته ايه
خلاني أفكر بجد احنا مين وعايشين فين والبلد دي رايحة فين
كانت حلوة فعلاً


عموماً شغل كايرو فيه حاجة مختلفةعن القصص اللي انا قريتها واللي بتصور ان انت أقوي كتير في النوع ده من الكتابة ( أقصد القصص القصيرة ) لأنك متمكن فيه أكتر وبحس انك بتقدم فيه حاجة بتاعتك

عموماً التجريب في الكتابة هو عمل دؤب وطرق مناطق مختلفة بغرض الوصول للتفرد وللتعبير الحقيقي عن الذات

شكراً لكل الكتابات الممتعة

rita said...

~「朵語‧,最一件事,就。好,你西