08 February 2008

media media...







في فترة من زمان روقان البال كنت أفكر جديا في العمل في مجال الإعلان , أو الميديا عموما , صناعة الإعلان هي صناعة المشهد , ربما يبدو غريبا لو شبهت على سبيل المقاربة صناعة الإعلان بصناعة الشعر , أنت الآن ستحوّل مجموعة من الدلالات لصالح المضمون الذي تريد , بالطبع هناك إختلاف بين دوافع صناعة كل منهما , إلا أن الفنية في الأول بالنسبة لي تجعله جميلا بحجم قصيدة مدهشة
خاصة و أنك في مدة دقائق مطالب بترويج ما لا يرتبط بالضرورة برغباتك أو إحتياجاتك الشخصية أو حتى أفكارك , هنا ستلعب مهارتك وحدها المباراة كاملة , بعكس الشعر الذي يدعمه تيار جارف من داخلك يندفع خلالك أحيانا ليصنع وحده المشهد بشكل عفوي أو غير واعي لكل تفصيلة فيه
أنت في الشعر محاط بالكامل بالفكرة , وهذه ميزة و أحيانا مضرّة , أما في الإعلان أنت قد تقع خارجها تماما , وعليك في الحالتين أن تخاطب من أمامك بلغته , أن تصل للمفاتيح التي ستحركه الآن بالضبط إلى الجهة التي أردت
دافع هذه التدوينة في الأساس هو إعلانات الإيه آر تي التي تذاع خلال دورة الأمم الأفريقية , الأول هو إعلان إتصالات المغرب الذي يظهر فيه مدير الشركة في مكتبه يتحدث مع رئيس العمال في الموقع عن أخبار سير العمل , فيطلب الأول من رئيس العمال أن يجعله يرى بعينيه ما يحدث في الموقع خلال شاشة الموبايل عن طريق خدمة الإتصال المرئي التي يروج لها الإعلان , فيبدأ رئيس العمال في تحريك الموبايل تجاه العمال الذي يبدو كل منهم منهمك في عمله بجد و حماس , و على الفور بعد أن يبلغ المدير رئيسَ العمال بسروره مما يحدث و يغلق الخط , يشير رئيس العمال في الموقع للجميع فيتركون الآلات و المواسير و يشغلون الكاسيت و يبدأون في الإستمتاع بحمام السباحة و الشمس و الراحة التامة !
هنا الإعلان يروّج لخاصية تتيح إمكانية الرؤية خلال الشاشة , بينما يخبرك ضمنيا أن ما يحدث فعلا أنك في الحالتين , سواء رأيت أو لم تر, أعمى عما يحدث في الحقيقة...أنا هنا لا أتحدث عن طرافة فكرة الإعلان وهي أحيانا تكون كل ما تقوم عليه صناعة الإعلان , بل الفكرة في توظيف خفة الظل في صالح المنتج لا ضده
كنت قد حضرت برنامج في أحد مراكز التنمية البشرية للتعرف على كيفية تدريس التنمية البشرية ذاتها , كان أحد فصول البرنامج هو الدعاية , كيف تقدم ذاتك أو منتجك أو فكرتك للآخر بأفضل طريقة , و على الرغم من سخافة البرنامج كاملا إلا أنني إستمتعت بهذا الفصل تحديدا
كان أحد أهم المبادئ في الموضوع هو أن ليس المهم أن تقدم الشئ بأسلوب مثير للإنتباه بقدر تقديمه بأسلوب مثير للرغبة فيه ,خلال ذلك أنت تخاطب الآخر على عدة مستويات منها مفرداته الذهنية و مشاعره حيال هذا الشئ , في الإعلان السابق مثلا المشاهد سيضحك لكنه سيظل يتذكر أنه على الدوام لن يمكنه من رؤية ما يحدث في الحقيقة مع هذه الخدمة , وهذا بديهي , الجميع يعرف أن هذه الخاصية لن تضمن لأي أحد أنه سيرى كل شئ كما هو ,المفارقة أن هذه الخدمة أصلا ليس الهدف منها رؤية كل شئ كما هو !! وهو ما صنع للمشاهد ذاكرة سلبية عما لا ينقص أساسا من قيمة الخدمة , تخيل لو قام إعلان على الفكرة و لكن معكوسة , الإعلان الآن سيترك لديك إنطباعا أنه يمكنك أحيانا أن ترى ما قد يحاول أن يخفيه عنك أحد , هذا الإعلان أيضا يبدو لي فاشلا , لأنك بالدور لن تحب أن يرى عنك الآخرين ما ترغب في أن تخفيه عنهم, الأمر سيختلف لو تم الترويج للخدمة مثلا أنه الآن يمكنك أن تتواجد في حفل زفاف إبنتك أو حفلة تخرج إبنك أو تشاهد هدفا في مبارة مهمة خلال موبايل صديقك الذي في الإستاد الذي صادف أنه أراد أن يريك لحظة من المبارة في نفس الوقت الذي يحرز فيه فريقك الهدف فتهتف في نشوة بينما تجلس في مدرج الكلية خلال محاضرة أو ما إلى ذلك , كل ما سيتبقى في ذهنك عن الإعلان ليس العقاب المتوقع من المُحاضر قدر فكرة الإستمتاع بإمكانية حضورك في مكان آخر تماما خلال هذه الخدمة...الخدمة أيضا في هذه الحالة ليست في الأساس لمشاهدة حدث ما مهم يحدث بعيدا, أو أن هذا ليس ما يمكنك إستخدامها بشأنه و بشكل متكرر لدرجة دفع رسوم الخدمة المكلّفة , لكنك صنعت للمشاهد ذاكرة سعيدة مع الخدمة , التي هي في رأيي ضئيلة القيمة من الأساس
الإعلان الثاني هو إعلان الإيه آر تي نفسها عن إذاعة مباريات أبطال أوروبا , الإعلان الشهير الذي يبدأ بمشاهد للجميع في اتفاق و رضا تام , شركاء العمل مع بعضهم البعض , الميكانيكي و الزبون , سائق التاكسي و راكب , أصدقاء في كوفي شوب ..إلخ
لكن ما إن يبدأ التلفزيون الموجود في كل مشاهد الإعلان في عرض مباريات بطولة أبطال أوروبا , يقوم أحد الموجودين في المشهد سواء شريك في العمل أو راكب التاكسي أو أحد الجالسين في الكوفي شوب في الإعلان عن إنتمائه لفريق ما حين يفتح قمصيه لتظهر تحته فانلة الفريق بشعاره المميز , و على الفور يبدأ بقية شركاء العمل أو راكب التاكسي أو بقية الأصدقاء في الكوفي شوب في فتح قمصانهم ليعلنوا في تحد عن إنتمائهم للفريق المنافس الذي يرتدون فانلاته المميزة , ثم يعرض لك الإعلان ما يترتب على ذلك ..
سائق التاكسي يلقي بالراكب في طريق مقفر , الأصدقاء في المقهى يبدأون في دفع و سكب الماء على رفيقهم الذي يشجع الفريق المنافس , الميكانيكي يتلف سيارة الزبون , و الحلاق يتلف رأس زبونه و يبدأ شركاء العمل في التلويح كل منهم للآخر ...
إذن الإعلان الذي يروج لمتعة المشاهدة خلال تفضيلك لفريق ما تنحاز له كاملا , مخاطبا نزعة التحيّز لدى الناس التي تقوم أصلا على رغبة الجميع في التميّز عموما عن طريق الإنتماء , وضّح لك بشكل كامل ما قد يواجهك نتيجة لتعصبك الكريه لفريق ما دون داع ٍ أو لتعصب الآخرين الكريه لفريقهم المفضل !
لا يحتاج الموضوع للشرح , فكرة الإعلان طريفة و مصنوعة بشكل جذاب, إلا إن الفكرة في حد ذاتها ليست مثير للرغبة في الخدمة , تطرح و بشكل سلبي مساوئا نسب حدوثها في الحقيقة ضئيلة , أعرف معلومة تقول أنك تكسب نقطة هامة لصالح السفر بالطيران مقابل عبور الطريق حين تتحدث عن مساوئ عبور الطريق التي تحدث بنسبة 0.5 % بينما تسرد خلال نفس المحادثة مميزات السفر بالطيران , و التي ترتفع نسبة مخاطرها إلى نسب مخيفة , الجميع يتجنبون المخاطر ولو ضئيلة , و يتشجعون للمميزات ولو ضئيلة أيضا , الفكرة هي ما ستطرحه أنت على ذهنهم ليفكر فيه..
طبعا لا يمكن وصف هذا الإعلان الثاني بالفشل , لأنه يروج لسلعة رائجة أصلا , هو فقط ينوّه عن قرب إذاعتها ليضمن إستمرار إشتراك المشاهدين في الباقة الرياضية ,لذلك علقت فقط على الفكرة دون أن أتطرق لمناسبتها من كل النواحي للخدمة المعروضة , فقط يمكن الحديث عن أنه سيترك إنطباعا سيئا لدى المشاهد بشأن الإنحياز لفريق ما بشكل يدفعه لإعلان ذلك بإعتزاز على الملأ , نتيجة لما رسبه الإعلان في ذاكرته أو وعيه بأن لذلك أحيانا _ولو أحيان ضئيلة جدا _عدة مساوئ , أتنبأ أن ذلك قد يؤثر على شعبية التحيز لفرق كرة القدم في
:)) the butterfly effect المستقبل وفقا لنظرية الفوضى أو
صباح الفل


5 comments:

عزة مغازى said...

وما لم يذكر كان افدح يا استاذ محمود
التفاتك بيدل على حاسة اعلانية صاحية فعلا
الالذ فى الموضوع الاستسهال بتكريس انماط سلبية فى سبيل الترويج ادت لغياب وجود اى افكار مبتكرة من الاساس فى حالة من النبهار بالكوميديا وصنع صورة جيدة بصرف النظر عن المردود ولان وكالات العلاقات العامة بقى دورها توريد سكيرتيرات وتخطيط الحملات متروك اما لاساتذة اعلام اللى افكارهم عفا عليهم الزمن او بعض المينى جيبز ذوات المؤهلات غير العلمية والمواهب غير الترويجية طبيعى تطلع الاعلانات كدة
نهارك لذيذ

wael said...

حكيم حكيم يا ابو عزت
عليه النعمه ما انا فاهم اي حاجه
بس اكيد انت صح

زمان الوصل said...

بس أظن فى اعلان الايه ار تى الاعلان يلعب على وتر ان كل مشاهد للاعلان سيظن نفسه تبع الفريق المنتصر

يعنى فيه عناصر منتصره زى سواق التاكس اللى رمى الزبون فى الصحرا او الحلاق اللى شرّك شعر الجدع اللى قاعد و غيره و غيره !! مفيش حد هيفترض انه فى طرف الفريق الخاسر خصوصا و كلها فرق مش عربيه اصلا :) زى كده الاطفال و هى بتلعب فى الشارع او حتى على البلاى ستيشن دايما يختاروا يكون فريقهم التخيّلى هو فريق منتصر او احرز انتصارا قريبا .. ومن ثمّ معظم المشاهدين سيتصوّروا أنّهم فى جانب الفريق المنتصر فى المعركه الاعلانيه

والله اعلم :)

saadebaid said...

فيه اعلان عاجبني بس هومش معمول صح الاعلان بتاع اتنين لاعيبة بيبصوا علي واحدة ده يقولوا بص ظهرها وده يقولوا شوف من قدام علي البنت وبعد كده تظهر العربية
بص الشنطة بص الشاسيه بص البت دي وكده

rita said...

~「朵語‧,最一件事,就。好,你西