23 September 2006

يبكي و يضحكُ , لا حزنا ً و لا فرحا





Placebo



أردأ قصيدة يمكن أن تعاقب بها الكون , قصيدة ٌجميلة ٌ..
ككل القصائد الجميلة التي تملأ الصحف و الدواوين , مطابقة للمواصفات و مشذبة بعناية من الطرفين .


البداية تكون حين يتأمل الشاعر ما حوله , فيطالعه كل هذا الكم من القصائد المرتبة الجميلة على الورق و الأغلفة و الندوات , و بالرغم من شعوره الأكيد بعدم الرضا عنهم جميعا , لا يسعه بعد فترة إلا أن يؤدي ذات الميكانيزم في الكتابة نحو " قصيدة جميلة " , ليجرب إن كانت له تلك القدرة على أن يكون مقروءا و موجودا مثل الجميع و مطابقاً لمقاييس الجميع من كتبة القصائد الجميلة .
قليلا , و يتخذ الأمر نوعا من الإتفاق الضمني أن هناك ربما جماليات _لا يراها هو_ في ما قرأ من القصائد الجميلة العادية التي تنال مساحات محترمة في كل مكان و التي بدأ ينسخ هو ذاته العديد منها دوريا للمجلات و الإصدارات.
التسمم الحقيقي في تلك الحالة هو أن يتحول الشاعر بحكم العادة إلى الاعتقاد و بشكل لا يقبل المراجعة أنْ هكذا يكون الشعر , و أعني : موت الشاعر.
أشعر بالشفقة صباح كل جمعة حين أقرأ للشاعر الشهير مربعا داكنا من الشعر داخل مقاله الأسبوعي , شعرا عاديا جميلا يحبه كل الناس , شعرا ميتا لا يُخلّف شيئا على الطاولة .
القصيدة الجميلة , قصيدة لا تخدشك بأي شكل من الأشكال , لا تعاديك ولا تستفزك و لا تربكك , قطعة أنيقة من الحلوى المعتادة , التي لا تستلذ بها بعد فترة من نهمك المتزايد إلا حين تقرر , و بدافع الرغبة في الاستمتاع , أن يكون لها طعم هذه المرة !
لا تصنع داخلك أي تكوين مميز جديد , لا تتركك مغايرا للأبد عما كنته قبل القراءة , لا تضيف ولا تحذف ُ
أشبه ما تكون بتجارب الأدوية الجديدة على مجموعة من المرضى , يُقدَّم للبعض المادة الفعالة داخل غلاف من الحلوى و للبعض الأخر غلاف الحلوى فارغا , دون أن يكون ذلك معلنا , ليتم تقييم النتائج قياسا على مجموعة المرضى التي لم تتناول المادة الفعالة و تناولت غلاف الحلوى الفارغ أو الـ placebo , بتسميته الطبية .
أحيانا تظهر النتائج أن عددا من مرضى الـplacebo , و تحت تأثير الشعور الأكيد بفاعلية الدواء _ الذي لم يتناولوه !_ و الرغبة في الشفاء , يحققون تحسنا ملحوظا !
"نحن نتناول الدواء و نشعر أننا أفضل ! "
و بعيدا عن النتائج العلمية المبنية على ذلك ,و سواء كان ذلك التحسن حقيقي أم لا , فإن زخم القصائد الجميلة التي تنتج يوميا و دوريا في كل مكان لا يمكن تشبيهها بصدق إلا بـ placebo ضخم , يتناوله الناس يوميا , فيحبون الشعر , أو ما يعتقدون أنه الشعر , إذ أن من كتبه هم شعراء ٌ و أسماء ٌ , لابد تعرف ماهيّة الشعر و جمالياته , كما يعرفها كثيرون أخرون أحبوا هذا الشعر و قرأوه, فتكون النتيجة أن يستمتع به الناس كما يستمتعون بقطعة الحلوى المكررة . بلا نشوة حقيقة , لا يجدون سواه ولا يصلهم غيره , ذلك يشبه أن تخبر طفلك يوميا أن إحدى الخطوط العبثية على جدران بيتكم هي لوحة فنية عظيمة تكتظ بالجماليات ,و بقليل من الإحترام من طفلك لثقافتك الفنية , سيعتقد بدوره أن القاهرة لا تخلو فيها مساحة أسمنتية من جدارية رائعة بها ما يكفي من جمالياتها الخاصة , و التي لا يفهمها بالتأكيد لكن هذا أيضا لا يعني أنها ليست موجودة !
شعر الـ (placebo ) يصنع حالة من الوهم الفني , فإن سلمنا أن الشعر الحقيقي نادر على كل الأحوال و في كل وقت , فإن المد المعاكس من الشعر العادي قد صنع الأن بتدفقه الضخم و المستمر على الإنترنت و الصحف و الدواوين حائطا حال حتى بين الشعراء و أنفسهم من أن يقدموا شيئا حقيقا , دون الوقوع في غواية اللغة و غواية التيمة و غواية التكنيك .
أخشى ما أخشاه أن يزعج الناسَ بعد ذلك طعمُ المادة الفعالة , وكما يكره الناس كل ما هو مغاير للعادة , سيفضلون الـplacebo المعتاد و يستمرون في اقتنائه كما يقتني مثله الجميع و يكتبونه كما يكتبه الجميع.

لا أذكر تحديدا أين قرأت أو وقعت على هذا المعنى:
قصيدة رديئة أفضل ألف مرة من قصيدة عادية , على الأقل الأولى تعلمك أن هناك أفضل .

وإلى أن يكتشف الناس الخدعة أو تسقط من نظر طفلك بشأن جداريات القاهرة , أتمنى وفي أسرع وقت , أن أتخلص كليا من أخر جرعة placebo في دمي.



9 comments:

عوليس said...

سعيد بمعرفه مدونتك رغم عدم اقتناعى الكامل بفكره بلاسيبو الجمال ممكن تكون صحيحه فى بعض الكتابات لكن مش كلها والجمال ايضا نسبى
تحيه خالصه

مـحـمـد مـفـيـد said...

انا زعلان وانت عارف ليه؟

Omar said...

صحيح، فيه شعر بلاسيبو، ومزيكا بلاسيبو، وناس بلاسيبو، وكفانا الله شر البلاسيبو قادر يا كريم

محمد أبو زيد said...

جميلة هذه الرؤية يا محمود ، إشكالية الكاتب الذي يكتب كل أسبوع أنه تحول من شاعر ينتظر ما يسمى مجازا بالوحي ، ينتظر ألم القصيدة ، يبحث عنها في تفاصيل الحياة محاولا اقتناصها ، انه تحول من شاعر إلى محترف ، يكتب بالقطعة ، يشبه العرضحالجي الذي يجلس أمام السجل المدني في قرانا الطيبة البعيدة ، يعطي لكل واحد ما يريده ، الرهان الحقيقي يا محمود على عامل الفرز لدى الناس ، لا بد أن يدركوا يوما الحقيقي من المزيف ، قد لا يحدث هذا الآن ، ولا غدا ولا بعد غد ، لكنه لا بد أن يحدث

Anonymous said...

مش عارفة كمية الاحساس الصادق والمؤثر الموجودة ويستطيع القارىء استشعارها من النصوص ,محمود عزت انت انسان وفنان ومبدع انا كعربية بفتخر جدا فيك ,وقصيدة ولاء اثرت في نفسي يمكن لانو اسمي ولاء بالتوفيق الدائم انشالله

محمود عزت said...

عوليس :
أشكرك
الجمال نسبي , و أي رأي مهما بدا قويا و
متماسكا فهو قاصر و محدود برؤية ما
ذلك ما أتحدث عنه
رؤيتي أنا للنص الأن
أشكرك أيها الجميل


محمد مفيد:
حقك عليا يا باشا !

عمر:
آمين يا أيو عمر


محمد أبو زيد :
فعلا يا محمد الرهان زي ما قلت على عامل الفرز
الفكرة إن الناس في غالب الأحيان بتقنع نفسها بالجمال لإنها معندهاش وقت تفكر في بناء فوقي ألعى من مجرد وجود جمال عادي في وسط زحمة الحياة العادية

أتمنى بجد ده يحصل في أقرب وقت
نورتنا :)


ولاء:
أشكرك :)
ربنا يكرمك

عبد الله said...

أنت والله قولت اللى كان نفسى أقوله من فترة بس أنا للأسف مش متمكن من الكلام زيك من فترة طويلة كنت حاسس أن كله زى بعضه هى ممكن تكون قصيدة كويسة بس مش بتحس بيها مفيهاش غلطة ولا أى حاجة وكل أما أحس بأحساس الخواء ده أجرى أفتح أعمال أمل دنقل الكاملة واستشعر الفرق عشان منساش طعم الأبداع الحقيقى

أنـــا حـــــــــرة said...

قصيدة رديئة أفضل ألف مرة من قصيدة عادية , على الأقل الأولى تعلمك أن هناك أفضل



" جملة معتقدش هنساها "
بس تشبيه ال placebo أكتر من رائع و ان كان واضح ان الطب أثر على تكوينك الأدبى

حقيقى بستمتع بكلامك عموما سواء كان أدب أو مقال

سعيدة قوى انى اعرفك يا محمود

هاني مصطفى said...

بص يا كنج على اللينك ده كده :
http://www.independent.co.uk/arts-entertainment/art/features/museum-of-bad-art-too-bad-to-be-ignored-2341891.html